تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
أنّهم يكررون ما قالوا ، إلّا أنّه منع من هذا الظاهر أن التكرار لم ينقل في قصة خولة وزوجها أوس ، ولا في قصة سلمة بن صخر ، وأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يسأل أوسا ولا سلمة عنه . وقد قال أهل اللغة إذا قال قائل : ( عاد لما فعل ) جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى ، وهذا ظاهر . وجاز أن يريد أنه نقض ما فعل وتداركه . لأنّ التصرف في الشيء بنقضه وتداركه لا يمكن إلا بالعود إليه ، فلما منع من إجراء اللفظ على ظاهره ما تقدم ، وجب المصير إلى المعنى الثاني وهو النقض والتدارك . إلا أنّ الأئمة مختلفون في العمل الذي ينقضه المظاهر ويتداركه ، فيرى غير الشافعي أنّ الظهار يوجب تحريما للزوجة لا يرفعه إلا الكفارة ، فالذي يريد المظاهر نقضه وتداركه هو تحريمها عليه ، ونقض ذلك التحريم وتداركه إنما يكون بوطئها ، أو بالعزم على وطئها ، أو باستباحة وطئها ، على خلاف بينهم تقدم بيانه . ويرى الشافعي أنّ كلمة الظهار فيها تشبيه الزوجة بالأم ، وهذا التشبيه يقتضي فراقها ، فالذي يريد المظاهر نقضه والرجوع عنه هو فراقها ، فإن مضت مدة تتسع للفراق الشرعي ؛ ولم يفارق صار ناقضا لمقتضى ما قال ؛ راجعا عنه . وإن اتصل بلفظ الظهار فرقة فليس بعائد . واعترض القول بأن العود هو الوطء بأنّ الآية ناصّة على وجوب الكفارة قبل الوطء ، فيكون العود سابقا عليه ، فكيف يكون هو الوطء ؟ وأجاب بعض من يرى هذا الرأي بأنّ المراد من قوله تعالى :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
من قبل أن يباح التماس شرعا ، والوطء أولا حرام ، موجب للتكفير ، وهذا الجواب خروج باللفظ عن مقتضى ظاهره ، من غير أن يقوم عليه دليل سوى التزام هذا المذهب . وأجاب آخرون : بأنّ قوله تعالى :
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
معناه ثم يريدون العود ، كما قال تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
[ النحل : 98 ] وكما قال :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ المائدة : 6 ] ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها ، وهذا معنى قول الإمام أحمد وقد تقدّم : إذا أراد أن يغشى كفّر . واعترض القول بأنّ العود هو العزم على الوطء بأنّ الآية لما نزلت ، وأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المظاهر بالكفارة ، لم يسأله هل عزم على الوطء ؟ والأصل عدم ذلك ، والوقائع القولية كهذه يعمّها الاحتمال ، فتكون الكفارة واجبة ، سواء أعزم على الوطء أم لم يعزم . والجواب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ترك السؤال عن ذلك ، لعلمه به من خولة ، فقد أخرج