تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 730

مساهمون:

ص٧٣٠
ولا خلية تنكح غيره ، وكان الظاهر أن يقال : ظاهر زوجته ، كما يقال طلق زوجته ، إلا أنّه لتضمنه معنى التبعيد عدّي بمن . وقوله تعالى :
ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ
ليس خبر المبتدأ ، إنما هو دليله ، والخبر محذوف ، والتقدير : الذين يظاهرون من نسائهم مخطئون ، لسن أمهاتهم ، ما أمهاتهم على الحقيقة إلا اللائي ولدنهم ، فلا يشبّه بهن في الحرمة إلا من ألحقها اللّه بهن .
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
وصف اللّه الظهار بأنه منكر وزور ، باعتبار أنّ قول الرجل لامرأته ( أنت عليّ كظهر أمي ) يتضمّن إخبارا وإنشاء ، فالأول من جهة إخباره بأنها تشبه أمه ، والثاني من جهة أنه أنشأ طلاقها وتحريمها ، فهو خبر زور ، وإنشاء منكر ، ينكره الشرع ، ولا يعرفه .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
كثير العفو والمغفرة ، فيغفر لهم ما سلف من الظهار ، ويعفو عمن ارتكبه إذا تاب . تمسّك المالكية بظاهر قوله تعالى :
مِنْكُمْ
في أنّ الذمي إذا قال لزوجته أنت عليّ كظهر أمي لم يعتبر ذلك ظهارا ، ولم تترتب عليه أحكام . وهذا هو المنقول عن الحنابلة ، وهو المعول عليه عند الحنفية ، إلا أنّ الحنفية لم يستدلوا عليه بمفهوم قوله تعالى :
مِنْكُمْ
، بل حجتهم في ذلك أنّ الذمي ليس من أهل الكفّارة . وقال الشافعية كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه ، يصحّ ظهار الذمي وتترتب عليه أحكامه ، وقوله تعالى :
مِنْكُمْ
إنّما ذكر للتصوير والتهجين ، لأن الظهار كان مخصوصا بالعرب ، فليس من مفهوم الصفة ليستدل به على عدم صحة الظهار من الذمي . واعترض قول الشافعية بصحة ظهار الذمي مع اشتراطهم النية في الكفارة بخصالها الثلاث والإيمان في الرقبة . والذمي ليس من أهل النية ، ويتعذّر ملكه للرقبة المؤمنة . وأجابوا عن ذلك بأنّ خصال الكفارة منها ما هو عبادة بدنية وهو الصوم ، ومنها ما هو من قبيل الغرامات وهو العتق والإطعام ، والنية فيما كان من قبيل الغرامات إنّما هي للتمييز ، فلا يشترط فيها الإسلام ، كما في قضاء الديون . فالذمي يكفّر بالإعتاق والإطعام ، ولا يكفّر بالصوم ، لأنه لا يصح منه ، كما أنّ العبد المظاهر لا يكفّر بغير الصوم ، لأنه لا يملك . ويتصور ملك الذمي للعبد المسلم بإسلام قنّه ، أو بقوله لمسلم : أعتق عبدك عن كفارتي فيجيبه ، فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو موسر ، منع الوطء لقدرته على ملك الرقبة المسلمة ، بأن يسلم فيشتريها ، وكذلك لا ينتقل من الصوم إلى الإطعام لقدرته عليه بالإسلام . فإن عجز عن الصوم لكبر ونحوه انتقل إلى الإطعام ، ونوى للتمييز أيضا .