تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
والشيء الوحيد الذي يكون فيه ذو الرحم أولى من غيره هو الميراث ، ويكون المعنى على هذا كأنه قيل : لا تورثوا غير ذي رحم ، لكن أن تسدوا إلى أوليائكم المؤمنين والمهاجرين معروفا ، فذلك جائز : بل هم أحق بالوصية من ذوي الأرحام . وترى أنّا قد فسرنا الأولياء في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً
بالأولياء من المؤمنين والمهاجرين ، وذلك جريا على ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن الآية في ترك التوارث بالهجرة والمؤاخاة ، ويكون هذا تمشيا مع ما أسلفناه من أنّ ( من ) في قوله :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ
داخلة في المفضل عليه . وروي عن بعضهم أن الآية نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني ، ويكون معنى الآية أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى بميراث بعض ، إلا إذا كان لكم أولياء من غيرهم ، فيجوز أن توصوا إليهم ، وهذا الوجه مروي عن محمد بن الحنفية وغيره .
كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
كان هذا الحكم الذي دلت عليه الآيتان مثبتا بالأسطار في القرآن ، أو حقا مثبتا عند اللّه لا يمحى . ترى مما تقدم أنّا قد فسرنا ( أولي الأرحام ) بذوي القرابة مطلقا ، أيا كان نوعهم ، وقد نقل الفخر الرازي أنّ الإمام الشافعي رضي اللّه عنه فسّرها بذلك ، وتبعه في هذا أبو بكر الرازي من الحنفية . ثم هو بعد ذلك يردّ فيها دليلا للحنفية على توريث ذوي الأرحام من حيث إنّ الآية قد أريد منها هذا النوع الخاص من الوارثين ، بل من حيث إنّ الآية اقتضت أنّ ذا القرابة مطلقا أولى من غيره . وأما تقديم بعض ذوي القرابة على بعض فهذا به أدلته الخاصة ، ويقتضي ذلك أن يكون ذو الرحم وهو الصنف الذي يدلي إلى الميت بواسطة الأنثى أولى من بيت المال ، فتكون الآية حجة على من قدّم بيت المال عليهم . وقد اختلف العلماء في تقديم ذوي الأرحام على مولى العتاقة . فذهب بعضهم إلى أنّ ذا الرحم أولى ، وهو يروى عن ابن مسعود ، وظاهر الآية يساعده . ويرى بعضهم أنّ مولى العتاقة مقدم على ذوي الأرحام ، وهو مرويّ عن كثير من الصحابة ، بل زعم الجصاص أنّه مذهب سائر الصحابة ، وقد روي عن ابنه حمزة أعتقت عبدا ومات ، وترك بنتا ، فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نصف ميراثه لابنته ، ونصفه لابنة حمزة ، ولم يقل لنا الرواة هل كان للميت ذو رحم حتى يتم الدليل ؟ وهذا إن صح يدلّ أيضا على أن مولى العتاقة أولى من الرد ، وهذا لا يكون إلا إذا كان مولى العتاقة محسوبا من العصبات ، والعصبات أولى بالميراث من غيرهم ، وقد روي أنّ النبي جعل ابنة حمزة عصبة لمولاها ، وقد ورد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الولاء لحمة كلحمة النّسب » .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 632 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان