تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 633

مساهمون:

ص٦٣٣
وللمخالف أن يقول : إن التشبيه يقتضي مطلق الاستحقاق ، فأين تقديمه على غيره . قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ( 49 )
لا خلاف بين العلماء في أنّ المراد بالنكاح هنا العقد ، ولا خلاف بينهم أيضا في أنّ قيد الإيمان هنا ليس للاحتراز ، بل لمراعاة الغالب من حال المؤمنين أنّهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات ، وللإشارة إلى أنه ينبغي أن يقع اختيارهم في الزواج على المؤمنات . وكذلك اتفقوا على أنّه ليس المراد بالمس هنا حقيقته ، وهي إلصاق اليد بالجسم ، وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده من غير جماع ولا خلوة . ولم يقل بذلك أحد . بل المراد بالمس الجماع ، لشهرة الكناية به وبالمماسة والملامسة ونحوها عن الجماع في لسان الشرع . والعدة شرعا المدة التي تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها من الحمل ، أو للتعبّد ، أو للتفجّع على زوج مات . ومعنى
تَعْتَدُّونَها
تعدونها عليهن ، أو تستوفون عددها عليهن . والمتعة في الأصل الاستمتاع ، وما يتمتع به ، وفي لسان أهل الشرع ما يعطيه الزوج لمطلقته إرضاء لها ، وتخفيفا من شدة وقع الطلاق عليها . وبيان مقدار المتعة ونوعها قد تكفّلت به كتب الفروع . وأصل التسريح إرسال الماشية لترعى السرح ، وهو شجر عظيم ذو ثمر . ثم توسع في التسريح ، فجعل لكل إرسال في الرعي ، ثم لكل إرسال وإخراج . والمراد به هنا تركهن وعدم حبسهن في منزل الزوجية ، إذ لا سبيل للرجال عليهن بعد طلاقهن . والسراح الجميل يكون بمجاملتهن بالقول اللين ، وترك أذاهن ، وعدم حرمانهن مما وجب لهن من حقوق . أخذ بعض العلماء من قوله تعالى :
إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
أنّه لا طلاق قبل النكاح ، فقول الرجل : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق ، لا يعدّ طلاقا ، فإذا تزوج لم تطلق زوجته بهذه الصيغة التي صدرت منه قبل النكاح ، سواء أخصّ أم عمّ ، وسواء أنجز أم علّق . وقد أخرج جماعة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه سئل عن ذلك فقال : هو ليس بشيء ، فقيل له : إنّ ابن مسعود كان يقول : إن طلق ما لم ينكح فهو جائز ، فقال : رحم اللّه أبا عبد الرحمن ، لو كان كما قال لقال اللّه تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن ولكن إنما قال :
إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
وقد ذكر في « الدر المنثور » وغيره من رواية علي وجابر ومعاذ وغيرهم رضي اللّه عنهم