تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
أما التبنّي المنهي عنه ، فهو دعوى الولد مع القطع بأنّه ليس ابنه ، وأين هذا من ذاك ؟ وظاهر الآية أيضا أنّه يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه : يا أخي ، أو يا مولاي ، إذا قصد الأخوة في الدين ، والولاية فيه ، لكنّ بعض العلماء خصّ ذلك بما إذا لم يكن المدعو فاسقا ، وكان دعاؤه بيا أخي أو يا مولاي تعظيما له ، فإنه يكون حراما ، لأننا نهينا عن تعظيم الفاسق ، فمثل هذا يدعى باسمه ، أو بيا عبد اللّه ، أو يا هذا . مثلا . قال اللّه تعالى :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 )
لعلّك ترى زيدا قد تصيبه وحشة من أنّه صار لا يدعى بعد الآن زيد بن محمد ، خصوصا بعد أن كان من أمر أبيه وعمه في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّه قد يرى في تخلّي النبي عن أبوته حطّا من قدره بين الناس ، وقد كان هو يعتز بهذه الدعوة ، لأنها تكسبه جاها عريضا ينفعه في الدنيا والآخرة ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية تسلية لزيد ، ولبيان أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إن تخلى عن أبوة زيد فإلى الولاية العامة ، والرأفة الشاملة التي تعم المسلمين جميعا لا تفريق بين ابن الصلب وغيره ، فهو يرعاهم حق الرعاية ، ويهديهم طريقا إن اتبعوه لن يضلوا بعده أبدا . وما كانت أبوته لزيد أو لأحد غيره بزائدة في ذلك شيئا ، ولن ينقص زيد بتخلّي النبي عن أبوته شيئا فالرسول أولى وأحق بكل المؤمنين من أنفسهم ، فهو الآمر الناهي بما يحقّق للناس سعادتهم في الدنيا والآخرة ، والحفيظ على مصالحهم ، لا يضيّع شيئا ، وقد تأمر النفس بالسوء ؟ أما الرسول فهو الذي يوحى إليه ، لا ينطق عن هوى ، ولا يهدي إلا إلى الخير . ولم يذكر في الآية ما تكون فيه الأولوية ، بل أطلقت إطلاقا ليفيد ذلك أولويته في جميع الأمور ، ثم إنّه ما دام أولى من النفس ، فهو ولى من جميع الناس بطريق الأولى . و قد روى البخاري « 1 » وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرءوا إن شئتم
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
فأيّما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني ، فأنا مولاه » . وقوله تعالى :
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
أي منزلات منزلة الأمهات في تحريم نكاحهن ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 3 / 116 ) ، 43 - كتاب الاستقراض ، 11 - باب الصلاة على من ترك دينا حديث رقم ( 2399 ) .