شأنهم مخالطتكم ، والتردد عليكم بالدخول والخروج ، فرفع الحرج عنكم وعنهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة . والجملة الثانية مؤكّدة للأولى في بيان الحكمة التي من أجلها رخّص في ترك الاستئذان ، إلا أنها أشمل من الأولى ، فإنّ معناها أن كلّا منكم لا يستغني عن مخالطة الآخر ، فهم طوّافون عليكم ، وأنتم طوّافون عليهم . وفي هذا تسلية للمماليك والخدم ، بأنّ التعاون في الحياة أمر مشترك بين المالك والمملوك والخادم والمخدوم .
وكان من حق المقابلة أن يقال : طوافون عليكم ، وأنتم طوافون عليهم . لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل
بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ
مراعاة لجانب السادة المخدومين ، وتلطفا في التعبير عن حاجتهم إلى المماليك والخدم .
وتدل الآية الكريمة على اعتبار العلل في الأحكام الشرعية ، لأنّ اللّه تعالى نبّه على العلة في طلب الاستئذان في الأوقات الثلاثة بقوله جلّ شأنه :
ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ
ونبّه على العذر المبيح لترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة بقوله عزّ اسمه :
طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ
.
وتدلّ الآية أيضا على أنّ من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع ؛ وينهى عن ارتكاب القبائح . على وجه التأديب والتعليم ، وليعتاده ويتمرّن عليه ، ليكون أسهل عليه عند البلوغ . قال تعالى :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التحريم : 6 ] روي في تفسيرها أدّبوهم وعلّموهم .
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
معنى تبيين الآيات إنزالها مبينة واضحة الدلالة على معانيها وما قصد منها .
يكثر في القرآن أنّ اللّه جلّ شأنه بعد أن يذكر الآيات واضحة الدلالة مبيّنة بيانا يشفي الصدور ، ويعمر القلوب باليقين والاطمئنان ، ويحمل السامع على أن يستيقن أن هذا هو البيان ، لا بيان بعده ، يردف ذلك بقوله عزّ اسمه
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
فينبه المخاطبين على أنّ هذه عادة اللّه في آياته كلّها يبينها البيان الشافي لقوم يعقلون .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
ذو علم شامل لكل معلوم ، فيعلم ما يصلح لكم وما لا يصلح
حَكِيمٌ
فيشرع لكم من الأحكام ما يناسبكم ، ويكفل لكم السعادة في المعاش والمعاد .
قال اللّه تعالى :
وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 59 )
قد يتوهّم بعض الناس أنّ الصبي وقد اعتاد الدخول والتردد على أهل بيت معين ؛ إذا بلغ مبلغ الرجال ؛ فلا حرج في دخوله بغير استئذان ، كسابق عادته ، فجاءت هذه