وكذلك روي عن عكرمة والحسن ما يدلّ على استثناء البيوت غير المسكونة من عموم البيوت في الآية السابقة .
وقول ابن عباس : إنّ هذه الآية التي معنا قد نسخت الآية السابقة معناه أنها خصصتها . وكثيرا ما يطلب المتقدمون كلمة النسخ على معنى التخصيص .
هذا - والبيوت غير المسكونة تشمل الخربات التي ليست لأحد ، وتشمل البيوت العامرة التي تقصد لمنافع عامة غير السكنى كالحمامات والحوانيت والبيوت التي لا تختص بسكنى أحد ، كالرباطات والفنادق ، فهذه البيوت كلها لا حرج في دخولها بغير إذن ، إذا كان للمرء في دخولها حاجة ، كالاستحمام ، والبيع والشراء ، والاستكنان من الحر والبرد ، وحفظ الرحال والسلع ، فإنّ العرف جرى فيها بالإذن العام .
والتعميم في البيوت غير المسكونة - على ما علمت - لا ينافيه ما روي عن محمد بن الحنفية وابن جبير والضحاك من أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين . ولا ما روي عن غيرهم أنّها الخربات تقصد للتبرز فيها ، إذ ليس الغرض من ذلك الحصر ، وإنما المراد التمثيل .
وقوله تعالى :
فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
يصحّ أن يكون صفة ثانية للبيوت ، ويصحّ أن يكون مستأنفا سيق لتعليل الإباحة ورفع الحرج . وعلى كل حال فإذا لم تكن للإنسان حاجة تدعوه لدخول هذه البيوت فليس له دخولها ، إذ إنّ ذلك يكون ضربا من العبث الذي لا خير فيه .
وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
وعيد لأهل الريبة الذين يدخلون هذه البيوت لمحاولة الاطلاع على العورات أو غيرها من الأغراض السيئة .
حكم النظر وإبداء الزينة
قال اللّه تعالى :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 30 )
اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنّ غضّ البصر أمر مستحسن ، وأدب جميل ينبغي للمستأذن أن يتحلّى به عند الدخول ، فإنّ دخول بيت الغير مظنة الاطلاع على العورات . وقد جيء في صورة حكم عام كلف به المؤمنين جميعا ، حتّى يشمل المستأذنين وغيرهم .
وسبب نزول هذه الآية على ما
أخرجه ابن مردويه « 1 » عن علي كرّم اللّه وجهه أنّ
هامش
( 1 ) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ( 5 / 40 ) .