أن يمتنع عن دخولها حتى يأذن له أصحابها ، وليس شيء يبيح الدخول إلا هذا الإذن الذي يصدر ممن يملكه ، فإذن العبد والصبيّ والخادم لا يبيح الدخول في البيوت التي لا يوجد بها أصحابها ، كما لا يبيح الدخول في البيوت التي يكونون فيها إلا أن يكون أحدهم رسولا من قبل صاحب الدار ، وفي هذه الحالة لا يكون الإذن من هؤلاء ، إنما هو من صاحب الدار .
وإنما قيل :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً
ولم يقل : فإن لم يكن فيها أحد ، لأنّ التعبير الأول أشمل ، إذ عدم وجود أحد فيها يصدق مع خلو البيوت من أصحابها في الواقع ، كما يصدق مع كونهم فيها . فالمدار على ظن الطارق واعتقاده ، فإن كان يعتقد أنه ليس بها أحد فلا يحلّ أن يدخلها ، سواء أكان الأمر كذلك أم كان على خلاف ما ظنّ .
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
أي أنّه لا يليق بكم أيها المؤمنون أن تلحوا في الاستئذان ، وأن تقفوا على الأبواب أو تقعدوا أمامها بعد أن تردّوا ، ويقال لكم : ارجعوا ، فإنّ الوقوف حينئذ فيه ذلة ومهانة لكم ، وفيه إيلام لأصحاب البيوت ، فالرجوع أزكى لكم ، وأطهر لأخلاقكم ، وأبعد بكم عن دنس الرذيلة .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
هذا وعيد لمن يعمل على خلاف ما أرشد اللّه سبحانه وتعالى إليه ، فمن دخل تلك البيوت التي لا يجد فيها أصحابها ، أو حاول دخولها بغير إذنهم ، أو لج في الاستئذان ، أو وقف على الباب بعد ما علم أنه لا يراد له الدخول : فاللّه عليم بهذا الذي يعمله . والقصد من هذا الإخبار إفادة لازمه ، وهو المجازاة على هذه الأعمال .
قال اللّه تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 29 )
سبب نزول هذه الآية على ما
أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أنّه لما نزل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا
إلخ قال أبو بكر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ، ولهم بيوت معلومة على الطريق - يريد الخانات التي في الطرق - فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها ساكن ؟ فرخّص اللّه سبحانه في ذلك ، فأنزل قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
إلى آخر الآية
. فتكون هذه الآية مخصّصة لعموم الآية السابقة كما علمت .
وقال ابن عباس فيما أخرجه عنه أبو داود في الناسخ ، وابن جرير « 1 » ، أنّ قوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
قد نسخ بقوله تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
إلخ واستثنى منه البيوت غير المسكونة .
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن المشهور بتفسير الطبري ( 18 / 91 ) .