تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
وقد عرّفوا الحد بأنه فعل يلزم الإمام إقامته ، وليس الردّ فعلا يلزم الإمام إقامته ، لأنه عمل سلبي . ويترتب على هذا الخلاف أنّ من قال بأنّ ردّ الشهادة من تمام الحد يلزمه القول بأنّ الحاكم لا يرد شهادة القاذف إلا بطلب المقذوف ، فما لم يطلب المقذوف رد شهادة قاذفه لا ينبغي للحاكم أن يردها ، إذ كانت من الحد ، والحد لا يستوفيه الحاكم إلا بطلب المقذوف ، فهل مذهب الحنفية كذلك ؟ ومن قال بأن رد الشهادة ليس من الحد لا يرى رد الشهادة موقوفا على طلب المقذوف . وقوله تعالى :
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
معناه على ما قال بعضهم الإخبار بأنّهم عند اللّه وفي حكمه فاسقون خارجون عن طاعته ، سواء أكانوا كاذبين في قذفهم - وذلك ظاهر - أم كانوا صادقين فيه . فإنّهم هتكوا عرض المؤمن ، وأوقعوا السامع في الشك والريبة من غير مصلحة دينية . فكانوا فسقة لذلك . ويؤخذ من ذلك أنّ القذف مع العجز عن البينة معصية عظيمة ، سواء أكان القاذف كاذبا أم صادقا . واختار الزمخشري « 1 » أنّ الجملة إنشائية في المعنى وإن كانت خبرية في اللفظ ، فمعنى
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
فسّقوهم . ولعل مراده اعتبروهم فسقة ، واحكموا بفسقهم ، وعاملوهم معاملة الفساق لأنّ اللّه أخبر بأنهم فاسقون . والأمر قريب .
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )
قال الشافعي : توبة القاذف إكذابه نفسه ، وفسّره الإصطخري من أصحاب الشافعي بأن يقول كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله ، وقال أبو إسحاق المروزي « 2 » من أصحاب الشافعي : لا يقول كذبت ، لأنه ربما يكون صادقا ، فيكون قوله كذبت كذبا ، والكذب معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ، بل يقول : القذف باطل ، وندمت على ما قلت ، ورجعت عنه ولا أعود إليه . وقال بعض العلماء : توبة القاذف كتوبة غيره ، أمر بينه وبين ربه ، ومرجعها إلى الندم على ما قال ، والعزم على ألا يعود . والسر في أنّ الشافعي أدخل في معنى التوبة التلفظ باللسان ، مع أن التوبة من عمل القلب ، أنه يرتب عليها حكما شرعيا ، وهو قبول شهادة المحدود إذا تاب ، فلا بدّ أن يعلم الحاكم توبته حتى يقبل شهادته . والحنفية لا يقبلون شهادة المحدود في قذف وإن تاب وأصلح ، لذلك كانت
هامش
( 1 ) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ، ( 3 / 214 ) . ( 2 ) إبراهيم بن أحمد المروزي ، فقيه انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق ولد بمرو ، وأقام ببغداد وتوفي بمصر ، انظر الأعلام للزركلي ( 1 / 28 ) .