تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
وظاهر الآية أيضا أنّ مائة الجلدة هي تمام حد البكر ، فإنّ قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
قصد به بيان حكم الزنى ، فكان المذكور تمام حكمه ، لأنّ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر ، فيفهم منه أنّ حكم الزانية والزاني ليس إلا الجلد ، فمن زاد على الجلد تغريب عام عمل بالسنة ، وجعلها حكما على ظاهر الكتاب . ويرى الفقهاء جميعا ما عدا أهل الظاهر أنّ حد الرقيق مطلقا نصف حد الحر ، لا فرق بين الذكر والأنثى ، ولا بين الثيب والبكر . ويرى بعض أهل الظاهر أنّ التنصيف خاصّ بالأمة ، أما العبد فهو كالحر البكر في الحد . ويرى بعض آخر منهم أنّ التنصيف خاص بالأمة المتزوجة . أمّا الأمة غير المتزوجة والعبد فحدّهما حدّ الحر البكر .

أدلة الخوارج والرد عليها

استدل الخوارج على أنّ الرجم غير مشروع بثلاثة أدلة : الأول : أن اللّه تعالى قال في حق الإماء :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
[ النساء : 25 ] فجعل حد الإماء نصف حد المحصنات من الحرائر . والرجم لا يتنصّف ، فلا يصحّ أن يكون حدّا للمحصنات من الحرائر . والثاني : أن اللّه تعالى فصّل أحكام الزنى وأطنب فيها بما لم يطنب في غيرها ، والرجم أقصى العقوبات وأشدها ، فلو كان مشروعا كان أولى بالذكر . والثالث : أن قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
يقتضي وجوب الجلد وعمومه لكل الزناة . وإيجاب الرجم على بعضهم يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو غير جائز على مذهبهم . وأجاب الجمهور على الأول بأن المراد من المحصنات في قوله تعالى :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
الحرائر . والحرائر نوعان : ثيبات وأبكار ، وحد النوعين على التوزيع الرجم وجلد مائة ، ولما كان الرجم لا يتنصّف كان العذاب مخصوصا بغير الرجم للدليل العقلي ، وكان الرجم غير مشروع في حق الأرقاء . وتقدّم لك شيء من هذا في تفسير قوله تعالى :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
في سورة النساء . وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدّد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات ، وكفى بالسنة ووظيفتها البيان والتكميل - بيانا وتفصيلا .