تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
حتى يتذكروها ، ولكن دلائل التوحيد وشواهده معروفة للناس ، ولكنهم لم يفطنوا لها ، فهم ليسوا في حاجة إلى أكثر من أن يلتفتوا إليها فيتذكروها بعد النسيان . والمعنى : هذه سورة أنزلناها ، وفرضنا ما فيها من أحكام ، وأنزلنا فيها دلائل وعلامات على توحيد اللّه وكمال قدرته ، لتتذكروها ، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته جلّ شأنه . ومعلوم أن إنزال السورة كلها يستلزم إنزال هذه الآيات منها ، فيكون التكرار في قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ
لكمال العناية بشأنها ، كما هي الحال في ذكر الخاصّ بعد العام . قال اللّه تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 2 )
الزنى مقصور في اللغة الفصحى ، وهي لغة الحجازيين . وقد يمدّ في لغة أهل نجد . والزنى من الرجل وطء المرأة في قبل من غير ملك ولا شبهة ملك ، والزنى من المرأة تمكينها الرجل أن يزني بها . والجلد بفتح الجيم : ضرب الجلد بكسرها . وقد جاء صوغ فعل مفتوح العين من أسماء الأعيان يقال : رأسه ، وظهره ، وبطنه ، وفأده ، وحسه : إذا أصاب رأسه وظهره وبطنه وفؤاده وحسه . وجوّز الراغب أن يكون معنى جلده ضربه بالجلد مثل : عصاه ضربه بالعصا ، وسافه ضربه بالسيف ، ورمحه أي طعنه بالرمح . والرأفة : الشفقة والعطف .
فِي دِينِ اللَّهِ
في طاعته وإقامة حدّه الذي شرعه .
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما
شهد كسمع شهودا : حضر .
طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الطائفة في الأصل اسم فاعل مؤنّث من الطواف ، وهو الدوران ، والإحاطة ، فهي إما صفة مفرد مؤنث أي نفس طائفة ، فتطلق حينئذ على الرجل الواحد . وإما صفة جماعة ، أي جماعة طائفة ، فتطلق على من فوق الواحد . ويكاد اللغويون يجمعون على أنه يقال للواحد طائفة كما يقال لمن فوقه طائفة . وفي المراد بها هنا أقوال سنبينها فيما بعد . وقوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
إلخ شروع في تفصيل الأحكام التي أشير إليها في قوله جل شأنه :
وَفَرَضْناها
والرفع في قوله جلّ شأنه
الزَّانِيَةُ
عند سيبويه والخليل على أنه مبتدأ ، خبره محذوف ، والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني ، ويفهم من كلام سيبويه في « الكتاب » أن النهج المألوف