في كلام العرب - إذا أرادوا بيان معنى وتفصيله اعتناء بشأنه - أن يذكروا قبله ما هو عنوان وترجمة له ، وهذا لا يكون إلا بأن يبنى الكلام على جملتين .
وقد يقال : ما الحكمة في أن بدأ اللّه في الزنى بالمرأة وفي السرقة بالرجل ؟
والجواب : إن الزنى من المرأة أقبح ، فإنّه يترتب عليه تلطيخ فراش الرجل ، وفساد الأنساب ، وعار على العشيرة أشد وألزم ، والفضيحة بالحمل منه أظهر وأدوم ، فلهذا كان تقديمها على الرجل أهم .
وأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجال ، وهم عليها أجرأ من النساء وأجلد وأخطر ، فقدّموا عليهنّ لذلك .
حدّ الزنى
كان حد الزنى في أول الإسلام ما قصّه اللّه علينا في سورة النساء من قوله جلّ شأنه :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ( 15 ) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 )
[ النساء : 15 ، 16 ] فكانت عقوبة المرأة أن تحبس ، وعقوبة الرجل أن يعيّر ويؤذى بالقول ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
.
أخرج مسلم وأبو داود والترمذي « 1 » عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه قال : كان نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا نزل عليه كرب لذلك ، وتربّد وجهه ، فأنزل اللّه تعالى عليه ذات يوم ، فلقي كذلك ، فلمّا سرّي عنه قال : « خذوا عني ، خذوا عني ، فقد جعل اللّه لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » .
معنى تربّد : تغيّر .
وأخرج أبو داود عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال اللّه تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ
إلى قوله :
سَبِيلًا
فذكر الرجل بعد المرأة ، ثم جمعهما فقال :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ
فنسخ اللّه ذلك بآية الجلد فقال :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
وتقدّم لك في تفسير هاتين الآيتين ما يغني عن الإعادة ، فارجع إليه في سورة النساء .
ظاهر قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
أنّ أولياء الأمر من
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 316 ) ، 29 - كتاب الحدود ، 3 - باب حد الزنا ، حديث رقم ( 13 / 1690 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 4 / 32 ) ، كتاب الحدود ، باب الرجم حديث رقم ( 1434 ) ، وأبو داود في السنن ( 4 / 135 ) ، كتاب الحدود ، باب في الرجم حديث رقم ( 4415 ) .