تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
الحكام مكلّفون أن يجلدوا من زنى من ذكر أو أنثى مائة جلدة ، سواء المحصن منهم وغيره . لكنّ السنة القطعية فرّقت في الحد بين المحصن وغير المحصن . وأجمع الصحابة رضي اللّه عنهم ومن تقدّم من السلف وعلماء الأمة ، وأئمة المسلمين على أن من زنى وهو محصن فإنّه يرجم حتى يموت ، ولا نعلم خلافا في ذلك لأحد إلا بعض المبتدعة من الخوارج ، فإنّهم قالوا : إن الرجم غير مشروع ، وإنه لا فرق في الحدّ بين المحصن وغير المحصن ، وسنبيّن فساد مذهبهم إن شاء اللّه . والقائلون بأن الرجم مشروع قد اختلفوا فيه ، أهو تمام ما على المحصن من العذاب ، أم هو والجلد قبله حد المحصن . فإلى الأوّل ذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ، وإلى الثاني ذهب علي رضي اللّه عنه وإسحاق وأهل الظاهر ، وهو رواية عن أحمد رحمه اللّه . فعلى رأي الجمهور يكون المراد بالزانية في الآية الكريمة البكرين ، وتكون الآية مخصوصة بالسنة القطعية ، أو بالآية المنسوخة التلاوة « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه » على كلام فيها . وعلى رأي أهل الظاهر ، تكون الآية باقية على عمومها ، ويكون الرجم حكما زائدا في حقّ المحصن ثبت بالسنة . والظاهر أيضا من قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
أنّه يشمل الرقيق وغيره ، فيكون الحدّ في الجميع واحدا ، لكن قوله تعالى :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
أخرج الإماء من هذا الحكم ، فإنّ الآية نزلت فيهن ، وكذلك أخرج العبيد ، لأنّه لا فرق بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط . وقال بعض أهل الظاهر عموم قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة ، إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق الأمة ، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس ، يعني وهم لا يقولون به . ومن الظاهرية من قال : الأمة إذا تزوجت فحدّها في الزنى خمسون جلدة لقوله تعالى :
فَإِذا أُحْصِنَّ
إلخ . فإذا لم تتزوج فحدّها مائة جلدة للعموم في كلمة
الزَّانِيَةُ
. وجمهور الفقهاء على رد هذين الرأيين بما سلف لك هنا وفي سورة النساء . وكذلك عموم قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
إلخ يشمل المسلم والكافر . غير أن الحربي لما يلتزم أحكامنا ، ولم تنله يدنا كان خارجا من هذا الحكم ، وبقي العموم فيمن عداه من المسلمين وأهل الذمة . وبهذا قال جمهور الفقهاء . وروي عن مالك رحمه اللّه أن الذمي لا يجلد إذا زنى ، قيل : وهو مبنيّ على أنّ الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 532 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان