فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
[ التوبة : 122 ] وقد ورد في السنة ما لا يقلّ عن هذا ؛ روى شعبة عن قتادة في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
قال : فهذا ميثاق أخذه اللّه على أهل العلم ، فمن علم علما فليعلّمه ، وإياكم وكتمان العلم . فإنّه هلكة ،
وروى حجاج عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كتم علمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » « 1 » .
وقد أشرنا آنفا إلى ما في الكتمان من تعطيل وظيفة الرّسالة ، وإلحاق الضرر بالناس ، ومن أجل ذلك كان الوزر كبيرا . والآية صريحة في أنّ الكتمان إفساد ، وأنه لا يكفي من فاعله الندم على ما فعل من الكتمان ، بل لا بد من الإصلاح والتبيين ، وقد ذكروا أن الآية تدل على عدم جواز أخذ الأجر على التعليم ، لأنها تدل على لزوم إظهار العلم ، وترك كتمانه ، ولن يستحق إنسان أجرا على عمل يلزمه أداؤه ، وقد جاء هذا الحكم مصرّحا به في آية :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
[ البقرة : 174 ] .
فثبت بذلك بطلان أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين ، غير أن المتأخرين لما رأوا تهاون الناس ، وعدم اكتراثهم لأمر التعليم الديني ، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا ، ورأوا أن ذلك يصرف الناس عن أن يعنوا بتعلم القرآن والعلوم الدينية فينعدم حفظة القرآن ، وتضيع العلوم ، وليس في الناس مع كثرة مشاغل الحياة ما يلجئهم إلى الانقطاع لهذه المهام أباحوا أخذ الأجور ، بل حتمه بعضهم ، وما هذه الحبوس « 2 » والأرصاد التي حبسها الخيّرون إلا لتحقيق صيانة القرآن والعلوم الدينية ، وسبيل لتنفيذ ما وعد اللّه به من حفظ القرآن في قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 )
[ الحجر : 9 ] .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )
أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
أصل الإهلال : رفع الصوت والجهر به . ومن ذلك قيل للملبي في حجة أو عمرة مهلّ لرفع صوته بالتلبية ، ويقال : استهلّ الصبي ، إذا صاح
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 3 / 318 ) ، كتاب العلم ، باب كراهية منع العلم حديث رقم ( 3658 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 29 ) في كتاب العلم باب ما جاء في كتمان العلم حديث رقم ( 2649 ) .
( 2 ) أي الوقف .