والكتمان : ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره ، لأنّه ما لم يكن كذلك لا يعدّ كتمانا .
ولما كان ما أنزله اللّه من البينات والهدى ما أنزل إلا لخير الأمم ، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم . وهم لن يصل إليهم الخير ، ولن يهتدوا إذا كتم عنهم ما أنزل ، وهم من أجل ذلك أحوج ما يكونون إلى إظهاره وتعليمه ، شدّد اللّه النكير على الكاتمين ، لما ينشأ عن هذا الكتمان من الضرر الجسيم ، وتعطيل الكتب السماوية أن تؤتي الثمرة المرجوّة منها .
والمراد في قوله تعالى :
ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى
كل ما أنزله اللّه على الأنبياء من الكتب والوحي ، ومن الدلائل التي تهتدي بها العقول في ظلمات الحيرة .
والآية عامة في كل كاتم ومكتوم يحتاج الناس إلى معرفته في أمر معاشهم ومعادهم . ولا عبرة بخصوص السبب الذي نزلت فيه .
أما قوله :
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ
فقد قيل : المراد بالكتاب « التوراة » و « الإنجيل » ، والمكتوم ما جاء فيهما من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والأحكام . وقيل : أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين . والثاني القرآن .
واللعن في اللغة : الإبعاد مطلقا . ويطلق على الذم . وفي الشرع : الإبعاد من الثواب .
و ( اللاعنون ) قد بينوا في آية أخرى هي قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 )
[ البقرة : 161 ] وقد قيل المراد باللاعنين :
دوابّ الأرض وهوامها ، فإنّها تقول : منعنا القطر من بني آدم ، وقيل غير ذلك .
وأنت قد رأيت أن اللعن قد جاء مرتبا على الكتمان ، فلا مانع من أن يراد باللاعنين كل من يلحقه أثر الكتمان ،
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 )
.
التوبة : عبارة عن الندم على فعل القبيح ، لا لغرض سوى أنه قبيح ، والإصلاح :
ضد الإفساد ، والتبيين : الإظهار .
عني القرآن الكريم عناية خاصة بتشديد النكير على من يكتم العلم . فهذه الآية دالّة دلالة صريحة على أن الكتمان جرم عظيم : يستحقّ مرتكبه اللعن والإبعاد من رحمة اللّه ، وذمّ الناس إياه ، ومقتهم وغضبهم ، وذكر في آية أخرى قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
[ آل عمران : 187 ] وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
[ البقرة : 174 ] وقال في الحث على بيان العلم وإن لم يذكر الوعيد :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا