والمؤاخذة بها هو عقاب الآخرة . ويدل له قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
[ آل عمران : 77 ] فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة .
و
قد روى جابر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من حلف بيمين آثمة على منبري هذا فليتبوأ مقعده من النار » « 1 »
ولم يذكر الكفارة .
والمسألة مبسوطة في كتب الفروع .
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
يحتمل أن تكون ( ما ) مصدرية ، أي بتعقيدكم الأيمان ، وتوثيقها بالقصد والنية .
ويحتمل أن تكون ( ما ) موصولة ، والعائد محذوف ، أي بما عقدتم الأيمان عليه .
والمعنى : لكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم الأيمان عليه ، أو بنكث تعقيدكم اليمين .
ويحتمل أن يكون المعنى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم اليمين إذ حنثتم ، وحذف الشرط للعلم به ، وقد عرفت أنّ الشافعية يدخلون الغموس في اليمين المعقودة ، ففيها الكفارة عندهم ، والحنفية يقولون : لا كفارة في الغموس .
فَكَفَّارَتُهُ
أي فكفارة يمينكم إذا حنثتم ، أو فكفارة نكثه
إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ
ذهب الشافعية إلى جواز إخراج الكفارة قبل الحنث إذا كانت مالا ، وأما إذا كانت صوما فلا ، حتى يتحقّق السبب بالحنث ، واستدلوا بظاهر هذه الآية ، حيث ذكر الكفارة مرتبة على اليمين ، من غير ذكر الحنث ، وقال اللّه تعالى :
ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ
وقاسوها أيضا على إخراج الزكاة قبل الحول . وأما الصوم فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الخصال الثلاثة قبله ، ولا يتحقق العجز إلا بعد الحنث ووجوب التكفير .
والحنفية يرون أنّ الآية فيها إضمار الحنث ، وهو متعيّن ، إذ لم يقل أحد ولا الشافعية بوجوب الكفارة قبل الحنث ، فالحنث وإن لم يذكر إلا أنه معلوم ، فهي على حد قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
[ البقرة : 185 ] حيث كان وجوب العدة مرتبا على الإفطار المقدّر .
ونحن نرى أنّ الآية لا تصلح شاهدا لواحد من الطرفين .
مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
لا من جيده فيقع الحيف عليكم ، ولا من رديئه فتبخسوا المسكين حقه ، ويجوز أن يكون المراد من أوسطه في المقدار ، أي : إذا كان فرد يأكل كثيرا ، أو فرد يأكل قليلا فتوسطوا بين المقدارين ، وأطعموا المسكين هذا
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في السنن ( 1 / 779 ) ، كتاب الأحكام ، باب اليمين حديث رقم ( 2325 ) .