تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
والطيبات اللذائذ التي تشتهيها النفوس ، ولا تعافها الطباع ، لاشتمالها على ما ينفع ، وتجردها عما يضر . و قد روي في سبب نزول هذه الآية أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جلس إلى أصحابه يوما في بيت عثمان بن مظعون يعظهم ، فوصف لهم يوم القيامة ، وبالغ ، وأشبع الكلام في الإنذار والتحذير ، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا ، ويحرّموا على أنفسهم المطاعم الطيبة ، والمشارب اللذيذة ، وأن يصوموا النهار ، ويقوموا الليل ، وأن لا يناموا في فراش النساء ، بل لقد عزم بعضهم على أن يجبّ مذاكيره ، ويلبسوا المسوح ، ويسيحوا في الأرض فوصل خبرهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسألهم فقالوا : ما أردنا إلا خيرا ، فقال لهم : « إني لم أومر بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » « 1 » . وليس في ذلك شيء من الحض على الاستزادة من أسباب الشهوات ، بل ذلك نهي عن الرهبانية الموصلة إلى هدم الأجسام ، وانحلال القوى ، ومتى انهدمت الأجسام ، وانحلت القوى ، تسرب الخراب والاضمحلال إلى الأمة ، قلا تقوى على العمل . وأيضا فالناس مطالبون أن يعملوا عقولهم في مصلحة المجتمع ، وأنّى لهم ذلك وقد انهدمت أجسامهم فضاعت عقولهم . والعقل السليم في الجسم السليم ، ومع ذلك فاللّه لما نهانا عن تحريم الطيبات نهانا عن الاعتداء ، وقال :
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
فهو يأمرنا أن نكون وسطا ، وأن نلتزم التوسط في الأمور . وقد ذهب المفسرون مذاهب في المراد من قوله تعالى :
لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
فمنهم من ذهب إلى أن المراد لا تعتقدوا تحريم ما أحل اللّه . ومنهم من قال : لا تظهروا باللسان تحريم ما أحل اللّه . ومنهم من قال : لا تجتنبوا ما أحل اللّه اجتنابا يشبه اجتنابكم لما حرم اللّه . ومنهم من قال : لا تحرّموا على غيركم بالتقوى ما أحل اللّه . ومنهم من قال : لا تحرّموا على أنفسكم بنذر أو يمين ، وهو حينئذ في معنى قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
[ التحريم : 1 ] . ومنهم من يرى أن المراد النهي عن أن يغصب شيئا ويخلطه بماله فيحرم ماله ، لعسر تمييزه عن المخلوط به . وأنت ترى أنه لا مانع من إرادة كل هذه الوجوه من الآية ، فهي تحتملها جميعا ، ولا داعي لتخصيصها بالبعض .
هامش
( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ( 7 / 7 ) .