تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
مذهبهم من هذه الأخبار : إنها لبيان الحكم الشرعي ، والحرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة ، وهي الإسكار في القدر المسكر من هذه الأشياء . وأنت تعلم أن النزاع لو اقتصر على هذا يكون نزاعا في التسمية ، والكلام إنما هو في الحكم ، والمسلمون جميعا بحمد اللّه متفقون في الحكم من حيث الحرمة إلا شيئا يروى عن أبي حنيفة في حل القليل من غير الأصناف الأربعة ، وهو ما لم يبلغ حدّ الإسكار ، وقد نص بعض المتأخرين من الحنفية على أنّ هذه الرواية لا يجوز العمل بها ولا الفتوى ، حتى في خاصة النفس ، وأنّ الحكم أنّ ما أسكر كثيره فقليله حرام . غير أنّه يتبع الكلام في الحرمة كلام في الأحكام الأخرى كالنجاسة والحدّ ، فمن يرى أنّ هذه الأشياء خمر ، وأنها يشملها اسم الخمر يقول : إنها نجسة بقوله تعالى :
رِجْسٌ
وأنّ فيها الحد الذي ثبت بدليله المعروف في الفقه . ومن يرى أنها حرام من طريق القياس لإسكارها . هل يرى أنّ النجاسة ووجوب الحد ثبت للخمر للإسكار ومخامرة العقل ، فينقل الحكم ، وهو النجاسة ووجوب الحد ، كما نقل الحرمة بالقياس للإسكار ، أم هو يرى أنّ الذي ثبت بعلة الإسكار إنما هو الحرمة فقط ، فلا يعدي النجاسة ووجوب الحد إلى غير ماء العنب والأشربة المعدودة عنده . وهل يورث الخلاف الذي رويناه فيما تقدم شبهة تسقط الحد ؟ ذلك يجب الرجوع فيه إلى الفقه وقواعده ، فإنّ ذلك لا ارتباط له بالآية التي معنا . والميسر : أصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار في توزيعه . وقد بيّن ذلك عند تفسير قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
[ البقرة : 219 ] . وقد روي عن الإمام علي أنّه الشطرنج . وعن عثمان وجماعة أنّه النرد ، وقال جماعة من أهل العلم : القمار كله من الميسر . ويراد منه : تمليك المال بالمخاطرة ، فكل مخاطرة بالمال قمار ، وهو من الميسر ، وهو حرام .
رِجْسٌ
أي قذر تعافه العقول . وعن الزجاج : الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح ، وقد يطلق الرجس على النجس .
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
من تسويله وتزيينه .
فَاجْتَنِبُوهُ
أي اجتنبوا الرجس
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
راجين الفلاح بهذا الاجتناب . ولقد شدد اللّه في الآية الكريمة أمر الخمر والميسر تشديدا يصرف النفوس عنه إلى غير عود ، فصدّرت الجملة ( بإنما ) وقرنا بالأصنام والأزلام وهما ما هما من الشناعة ، وسميا رجسا من عمل الشيطان ، وذاك غاية القبح ، ثم أمر باجتنابهما ، وأضاف