تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
وذهب بعض البصريين إلى أنّ الفعل مؤوّل بمصدر من غير سابك ، على حد « تسمع بالمعيدي خير من أن تراه » والتقدير : إرادة اللّه كائنة للتبيين . وذهب الكوفيون إلى أنّ اللام ناصبة للفعل ، وأنها تقوم مقام أن في فعل الإرادة والأمر ، فيقال : أردت أن تذهب ، وأردت لتذهب ، وأمرتك أن تقوم ، وأمرتك لتقوم ، وعليه قوله تعالى :
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ
[ الصف : 8 ] يعني يريدون أن يطفئوا ، ومثله
وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ الأنعام : 71 ] أي أمرنا أن نسلم . والمعنى : يريد اللّه بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف ، ويميّز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح .
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
أي يهديكم مناهج من تقدّمكم من الأنبياء الصالحين ، لتقفوا أثرهم ، وتهتدوا بهداهم ، وليس المراد أنّ جميع ما شرع لنا من الحلال كان مشروعا بعينه للأمم السابقين كذلك ، بل المراد أنّ اللّه كما قد شرع للأمم السابقين من الأحكام ما بهم حاجة إليه ، وما اقتضته مصالحهم ، كذلك شرع لنا ما بنا الحاجة إليه ، وما تدعو إليه مصالحنا ، فإنّ الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في أنفسها إلا أنها متفقة في باب المصالح .
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
التوبة ترك الذنب ، مع الندم والعزم على عدم العود ، وذلك مما يستحيل إسناده إلى اللّه تعالى ، فلا بد من تأويل فيه ، فإما أن يراد من التوبة المغفرة مجازا لتسببها عنها ، وذلك مراد من قال : معنى
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
يقبل توبتكم ، وإما أن يراد من التوبة الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي أو الإرشاد إلى ما يكفّرها . واختار المحققون من العلماء أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين ، بل لطائفة معيّنة قد تاب اللّه عليهم في نكاح الأمهات والبنات ، وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات ، وحصلت لهم هذه التوبة بالفعل . والذي دعاهم إلى تخصيص هذا الخطاب أنه لو كان عاما لعارضه تخلف المراد عن الإرادة ، وهي علّة تامة ، فلا يدفع هذا التعارض إلى تخصيص الخطاب .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يعني واللّه ذو علم شامل لجميع الأشياء ، فيعلم ما شرع لكم من الأحكام ، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم ، وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم ، وهو حكيم يراعي في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة ، فيبيّن لمن يشاء ، ويهدي من يشاء ، ويتوب على من يشاء . قال اللّه تعالى :
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً ( 27 )
الجملة الأولى مؤكّدة لقوله تعالى :
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
والمراد بالذين يتبعون