فهذا الحديث الشريف دلّ على أنّ قوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ
لم يجر مجرى الشرط ، بل جيء به لدفع فتوهم أنّ التزويج يزيد في حدّهن ، فلا مفهوم له .
ومعلوم أنّ حدّ الحرائر الثيبات الرجم ، وهو لا يتنصّف ، فلا يكون مرادا هنا ، وحدّ الحرائر الأبكار جلد مائة ، ونصفه خمسون جلدة ، فهو حد الأمة مطلقا كما علمت .
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
الإشارة إلى نكاح الإماء ، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر ، ثم توسّع فيه ، فاستعمل في كل جهد ومشقة ، والمراد به هنا الزنا ، وقد علمت أنّ خشية الزنى شرط آخر في جواز نكاح الإماء عند الشافعي رضي اللّه عنه ، وأن أبا حنيفة رضي اللّه عنه لا يجعل ذلك شرطا ، وإنما هو إرشاد للأصلح .
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ
يقول اللّه تعالى : وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن ، وإن رخص لكم فيه بشروطه السابقة : ذلك لما فيه من إضرار بعد تعريض الولد للرق ، فإنهنّ ممتهنات مبتذلات خرّاجات ولاجات ، وذلك ذلّ ومهانة لا يكاد يتحملها غيور ، ولأنّ حق الموالي فيهن أقوى من حق الزوجية ، فقد يستخدمونهن أكثر الأوقات ، ولا يسلمونهن لأزواجهن إلا قليلا ، وقد يسافرون بهن ، أو يبيعونهن لحاضر أو باد ، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سيما إذا كان لهم منهنّ أولاد .
و
في مسند الديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحرائر صلاح البيت ، والإماء هلاك البيت » .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : « إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه ، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه » وعن ابن عباس أنه قال : ما تزحف ناكح الأمة عن الزنى إلا قليلا ، وعن أبي هريرة وابن جبير مثله .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : واللّه واسع المغفرة ، كثيرها ، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن ، وفي ذلك تنفير عنه حتى كأنه ذنب ، وهو واسع الرحمة كثيرها ، فلذلك رخص لكم في نكاحهن .
قال اللّه تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 ) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً ( 27 ) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 )
مثل هذا التركيب
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
وقع في كلام العرب قديما ، ومعلوم أنّه يمتنع أو يضعف دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي ، وقد خرّجه النحاة على مذاهب ، فمذهب سيبويه وجمهور البصريين أن مفعول
يُرِيدُ
محذوف ، واللام للتعليل . والتقدير : يريد اللّه تحليل ما أحل ، وتحريم ما حرم ، ليبين لكم .