والمراد بعدم الجواز عند الحنفية عدم النفاذ ، لا عدم الصحة ، بل هو موقوف كعقد الفضولي ، وإلى هذا ذهب مالك ، وهو رواية عن أحمد كما قال صاحب « روح المعاني » « 1 » .
وادّعى بعض الحنفية أنّ الآية تدلّ على أنّ للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن ، لأنّه اعتبر فيها إذن الموالي لا عقدهم ، وهو غير سديد لوجهين :
أمّا أولا : فلأنّ الآية دلت على أن رضا المولى لا بد منه ، فأما أنه كاف في النكاح فليس في الآية دليل عليه ، لأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم ، فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل ، فلا يلزم جواز مباشرتهن العقد بأنفسهن .
وأما ثانيا : فلأنّه وإن يكن المراد من الأهل الموالي ، لكن الفقهاء حملوا ذلك على من له ولاية للتزويج ، وذلك إما المولى إن كان رجلا ، أو ولي مولاه إن كان مولاه امرأة .
ولو سلّم أن المراد بالأهل الموالي لا غير فهو عام يتناول الذكور والإناث ، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة ، والخاص مقدّم على العام .
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
أكثر المفسرين على أن المراد بالأجور المهور ، وعلى هذا التأويل تكون الآية دالّة على وجوب مهر الأمة إذا نكحها ، سواء أسمي المهر في العقد أم لم يسمّ ، ويكون قوله :
بِالْمَعْرُوفِ
مرادا منه مهر المثل ، أو إيصال المهر إليها على العادة عند المطالبة من غير مطل ولا تأخير .
والآية على ظاهرها تؤيّد ما حكاه بعض العلماء عن الإمام مالك أن مهر الأمة لها . وهذا يوجب كون الأمة مالكة ، مع أنه لا ملك للقن ، فلعله أراد أنها مالكة لمهرها يدا ، كالعبد المأذون له في التجارة ، لأن الإذن في نكاحها إذن لها في أن تضع يدها على المهر ، فيجب التسليم إليها كما هو ظاهر الآية .
وأكثر الأئمة على أنّ المهر للسيّد ، لأنّه وجب عوضا عن منافع البضع المملوكة للسيد : وهو الذي أباحها للزوج بعقد النكاح ، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها ، ولأنه لا ملك للقن ، لقوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 75 ] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا .
ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « العبد وما في يده لمولاه » .
وأجاب الجمهور عن ظاهر الآية بأن المراد : وآتوهن مهورهن بإذن أهلهن ، وهذا القيد مقدّر في الكلام ، لتقدم ذكره ، أو أنّ المراد وآتوا : أهلهن مهورهن ، وإنما
هامش
( 1 ) روح المعاني ( 5 / 10 ) .