عن ذلك
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
فلا يعجّل العقوبة ، فلا تغترّوا بإمهاله .
وإذا عقد عليها في العدة ، وبنى بها ، فسخ النكاح ، لنهي اللّه عنه ، وتأبد تحريمها عليه ، فلا يحلّ نكاحها أبدا عند مالك ؛ وأحمد ؛ والشافعي ؛ وبه قضى عمر ، لأنه استحل ما لا يحلّ ، فعوقب بحرمانه ، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله .
وقال غيرهم : يفسخ النكاح ، فإذا خرجت من العدة كان خاطبا من الخطاب ، ولم يتأبّد التحريم ، لأنّ الأصل أنها لا تحرم ، إلا أن يقوم دليل على الحرمة من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة ، وليس في المسألة شيء من هذا ، ورأي الصحابيّ ليس حجة ، وهناك إنكار من عليّ على عمر في هذا القضاء ، وروي أنّ عمر رجع عنه .
قال اللّه تعالى :
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 )
المس هنا كناية عن الجماع
أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
الفرض في اللغة التقدير ، والمراد : أو تقدروا لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه .
وظاهر الآية يفيد أنّ رفع الجناح مشروط بعدم المسيس ، وهو مشكل عند الفقهاء ، لأنّه لا جناح عليه في الطلاق بعد المسيس أيضا ، ولذلك أجابوا بجملة أجوبة ليس منها التزام هذا الحكم ، وأقرب هذه الأجوبة أن المراد : لا تبعة عليكم من إيجاب مهر إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ ، ولا شك أنّ رفع المهر عنه مشروط بعدم المسيس ، وعدم فرض مهر لها .
قالوا : والدليل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى :
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ
فأوجب نصف المهر في مقابله ، وقوله :
أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
بمعنى إلا أن تفرضوا ، أو حتّى تفرضوا ، وقال بعضهم :
إن ( أو ) بمعنى الواو ، وبالجملة فإنّ الآية رفعت المهر عمّن طلّق قبل الدخول وقبل :
تسمية المهر ، وطلبت المتعة لها .
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم ، ومنازلكم من الغنى والإقتار .
والموسع : الذي له سعة .
والمقتر : الضيق الحال .
وقدره : مقداره الذي يطيقه ، وكان ابن عباس يقول : متعة الطلاق أعلاها الخادم ، ودون ذلك الورق ، ودون ذلك الكسوة .
وقد اختلف في هذه المتعة المطلوبة للمطلّقة قبل المسيس وقبل الفرض : أواجبة