تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 793

مساهمون:

ص٧٩٣

المعنى :

هل أتى على الإنسان وقت من الزمن لم يكن شيئا مذكورا ؟ وقد علم اللّه أنهم يقرون فيقولون : نعم قد أتى عليه ذلك ، فيقال لهم : الذي أوجده من العدم بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه من العدم « 1 » ؟ والإنسان من حيث هو إنسان مر عليه حين من الدهر كانت الكرة الأرضية خالية منه ، وهذا الزمن لا يعلمه إلا اللّه . هذا الإنسان الذي خلق من العدم كيف خلق ؟ يقول اللّه - تعالى - مجيبا ومؤكدا : إنا خلقناه من نطفة أمشاج ، يا سبحان اللّه ! يقول اللّه تعالى : إنا خلقنا الإنسان من نطفة موصوفة بأنها أخلاط ، فيها نوازع الخير والشر كامنة ، وفيها صفات للإنسان مختلفة ، وفيها اتجاهات له متباينة . ولو شاء ربك لجعل الناس على نظام واحد وطريقة واحدة كلهم للخير أو كلهم للشر ، ولكنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولأجل هذا الاختلاف خلقهم ، فبه يعمر الكون ، وتكون الدنيا والآخرة . خلقنا ربك من نطفة فيها أخلاط ليبتلينا ، إنا خلقناه من نطفة أمشاج حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره فيما سنكلفه به من شرائع . ولهذا جعلناه سميعا بصيرا ، أي : فترتب على إرادة الابتلاء أن خلق اللّه فينا قوة العقل والإدراك لنميز بعقولنا التي كان طريقها المهم السمع والبصر ، ولكن هل يكفى العقل وحده لإدراك الخير والشر ؟ لا . . ولهذا قال : إنا هديناه السبيل العام ، أي : دللناه وبينا له طريق الخير وطريق الشر بواسطة الشرائع والرسل بعد أن منحناه العقل والنظر . فاللّه - سبحانه - خلق الإنسان ، وفيه نوازع الخير والشر ، والاتجاهات المختلفة المتباينة ثم رزقه عقلا وفكرا ، وأرشده بعد ذلك إلى سبيل الخير والشر بواسطة الكتب والرسل . . إنا هديناه السبل حالة كون الإنسان إما شاكرا وإما كفورا ، فهو بعد ذلك إما شاكرا لربه نعمه سالكا سبل الخير مستحقّا دار الكرامة ، وإما كفورا لنعم ربه لم يقم بحقها فكفر وكذب وعمل سيئا ، فاستحق دار الإهانة ، وهذا ما أعد لكل من الفريقين فريق الشاكرين وفريق الكافرين . إنا هيأنا للكافرين في جهنم سلاسل توضع في أرجلهم وأغلالا في أيديهم وأعناقهم : ونارا مستعرة يصلونها وبئس القرار قرارهم .
هامش
( 1 ) هذا المعنى على أن ( هل ) استفهامية ، وهي تفيد التقرير ، وبعضهم يقول : إنها بمعنى ( قد ) وتفيد التقرير ، والمآل واحد على المعنيين .