يستحق صاحبها الغضب الشديد والعذاب الأليم إلا رجلا منحرفا من مكان إلى مكان رآه أصلح في ضرب العدو . أو أراد أن يوهم العدو أنه يفر حتى يستدرجه بعيدا عن صحبه ثم يكر عليه فيقتله ، فتلك من خدع الحرب المحبوبة . أو رجلا منتقلا من جماعة إلى جماعة أخرى رأى أنها في حاجة إليه فيشد أزرهم ويقوى عزمهم .
يا أيها الذين آمنوا إذا حاربتم الكفار فلا تولوهم ظهوركم أبدا ، ولا تفروا منهم فأنتم أولى بالثبات والشجاعة ؛ فأنتم تطلبون إحدى الحسنيين ، وقد وعدكم اللّه بالنصر ، انظروا إلى ما حصل في غزوة بدر ، قد نصركم اللّه بها وأنتم قلة في العدد ، وما كان ذلك إلا بتأييد اللّه ، وتثبيت قلوبكم ، ومدكم بالملائكة . وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم ، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي كسر شوكتهم في الواقع ، ولكن اللّه قتلهم بأيديكم
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ سورة التوبة آية 14 ] .
ولقد كان من المسلمين بعد أن رجعوا من غزوة بدر افتخار كثير فكان الواحد يقول : أنا قتلت ، أنا أسرت ، فعلمهم اللّه أن ذلك فخر كاذب لا يليق ووجههم توجيها حسنا حتى يلجئوا إليه ويعتمدوا عليه وحده فقال : فلم تقتلوهم بقوتكم ولكن اللّه قتلهم بتأييده ونصره وإنزال الملائكة وإلقاء الرعب وهو على كل شيء قدير .
روى أنه لما طلعت قريش قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذّبون رسولك ، اللهم إني أسألك ما وعدتني . فأتاه جبريل فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فرمى بها وقال : شاهت الوجوه . فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه .
وما رميت يا محمد حين رميت الحصا ، ولكن اللّه رمى ، وهذه ظاهرة التناقض ، لكن المعنى : وما رميت يا محمد فإن الأثر الذي حدث من قبضة التراب التي رميتها أثر كبير حيث وصل إلى عيون الجيش كله . وهذا لا يمكن أن يكون من بشر ، وإن يكن أنت الذي رميت في الظاهر فصورة الرمي للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأثر الرمي وما حدث منه للّه - سبحانه وتعالى - .
فعل اللّه ذلك كله لتقام حجته على الكفار بتأييد رسوله ونصره على عدوه وإن اختلفت الإمكانات الحربية ، وليعطى المؤمنين الذين فارقوا ديارهم وأموالهم عطاء حسنا بالغنيمة والنصر وحسن السمعة ورد الاعتبار ، إن اللّه سميع لكل قول والتجاء إليه ، عليم