النصر من اللّه : واللّه - سبحانه - هو الموفق لسلوك أسباب النصر أو أسباب الهزيمة ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم ذلك ، وأن للّه سننا مع خلقه لا تتخلف ، وأن عنده آيات يؤيد بها رسله ، ولكنه لما رأى ضعف المسلمين وقلة عددهم وتهيبهم من القتال ، استغاث اللّه ليوفقه إلى سنن النصر ويؤيده ، فتقوى الروح المعنوية فيتحقق النصر ، وقد استغاث الصحابة كما استغاث ، ولقد استجاب اللّه الدعاء وأمدهم بألف من أعيان الملائكة يردف بعضهم بعضا حتى يتحقق قوله في سورة آل عمران :
بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ
بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ
[ الآيتان 124 - 125 ] وما جعل اللّه ذلك المدد الإلهى إلا بشرى بأن النصر لكم ، وأن اللّه معكم ، ولتسكن قلوبكم ، ويهدأ روعكم فتلقون الأعداء ثابتين مطمئنين .
واعلموا أن النصر من عند اللّه لا من عند غيره أبدا ، إن اللّه عزيز لا يغالب ، حكيم في كل صنع .
وهل الملائكة قاتلت بالفعل كما ورد في بعض الروايات ؟ أو هي قوة معنوية وتكثير للسواد ولم يحاربوا ، بل ثبتت قلوب المسلمين وقويت روحهم المعنوية بهم . واللّه أعلم ، على أن المتفق عليه أنهم لم يقاتلوا يوم أحد لأن اللّه علق النصر على الصبر والتقوى ولم يحصلا .
واذكروا إذ ألقى اللّه عليكم النعاس حتى غشيكم كما
روى البيهقي عن علي - كرم اللّه وجهه - قال : « ما كان فينا فارس إلا المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلى تحت شجرة حتى أصبح »
ولا شك أن النعاس يزيل الخوف ومن دلائل الأمن والطمأنينة والوثوق بالنصر .
ولقد نزلوا في بدر منزلا في كثيب ( تل ) أعفر تسوخ فيه الأقدام وليس فيه ماء ، وقد احتلم بعضهم ليلا ، ولما أصبحوا ظمئوا وصلّوا مجنبين محدثين ، وكان المشركون على الماء فوسوس لهم إبليس وقال : لو كنتم على حق وفيكم نبي لما صليتم بجنابة وبغير وضوء ولما كنتم عطاشا وهم على الماء ! ! فأنزل اللّه مطرا كان على المشركين وابلا شديدا وكان على المسلمين طلّا خفيفا طهرهم من الرجس والدنس والجنابة والحدث ، وقضى على وسوسة الشيطان وأصبحوا يطئون الرمل بسهولة فثبتت أقدامهم وسكنت قلوبهم ،