المعنى :
لا يوجد نوع من أنواع الدواب التي تدب على الأرض ، ولا نوع من أنواع الطير الذي يطير في الجو إلا وهو أمم مماثلة لكم أيها الناس ، لهم أرزاق وآجال ونظام محكم وطبائع تتلاءم مع خلقتهم وتكوينهم ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين ! وقد أثبت العلماء الباحثون في طبائع الحيوان أن كثيرا من فصائله أمم لها ملك ومملكة ونظام وقيادة ، وما النحل والنمل عنا ببعيد ! وخص دواب الأرض بالذكر لأنها المرئية للكفار ، أما ملكوت اللّه في السماوات ففيه ما لا يعلمه إلا اللّه وحده ، وهذه الآية توجه أنظارنا إلى البحث والدرس في طبائع الحيوان والاستفادة من ذلك فقد خلق لنا جميع ما في الأرض لننتفع منه ونسخره لمصلحتنا .
وما فرطنا في الكتاب من شيء أبدا ، ولا قصرنا في أي شيء أبدا ، وقال ابن عباس :
إن المراد بالكتاب هو أم الكتاب ( وهو خلق غيبي سجل فيه كل ما كان وما سيكون على حسب السنن الإلهية ) . وقيل : الكتاب هنا هو علم اللّه المحيط بكل شيء ، شبه بالكتاب لكونه ثابتا لا ينسى . وقيل هو القرآن ، والمعنى : ما تركنا في القرآن شيئا من ضروب الهداية وأصول الأحكام والقوانين : ففي القرآن السياسة العامة الإسلامية من ناحية الاقتصاد والاجتماع والدين ، وفيه الأصول العامة الأخرى للدين كالسنة والقياس والإجماع ، ثم إلى ربهم يحشرون ويجازون على أعمالهم .
والذين كذبوا بآياتنا المنزلة الدالة على كمال القدرة ، وتمام العلم والحكمة صم لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع قبول ، وبكم لا ينطقون بما عرفوا من الحق ، وهم يتخبطون في الظلمات ، ظلمات الجهل والكفر والعادات القبيحة .
من يشاء اللّه يخذله ويضله ولا يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف حيث ثبت في علمه القديم أنه أهل لما هو فيه من شقاء وعذاب .
ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم لأنه أهل لذلك في علمه ، وهكذا كانت الحكمة فيما اختاره اللّه أزلا وفق علمه ، صنع اللّه الذي أتقن كل شيء إنه خبير بعباده بصير بخلقه .