تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥

المناسبة :

بعد هذا الحجاج والنقاش ذكر تأثير كفرهم وعنادهم في نفس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذكر ما يسليه ببيان ما حصل لغيره من الرسل قديما . روى ابن جرير عن السّدّىّ أن الأخنس بن شريق وأبا جهل التقيا فقال الأخنس لأبى جهل : يا أبا الحكم خبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيرى ، قال أبو جهل : واللّه إن محمدا لصادق وما كذب قط . ولكن إذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ .

المعنى :

قد نعلم - أيها الرسول - إنه ليحزنك ويؤلم نفسك ما عليه هؤلاء القوم ، وما يقولونه لك من تكذيب وطعن ، وتنفير للعرب عن دعوتك ، وهذه نفسك الطاهرة تتألم ، وقد رأيت عشيرتك وأهلك في ضلال وخسران ، وأنت تدعوهم إلى الهدى والفلاح فلا يسمعون ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، ولا تحزن عليهم ، ولا تك في ضيق مما يفعلون . فإنهم لا يكذبونك فأنت الصادق عندهم الأمين في ناديهم ما جربوا عليك كذبا ولا خيانة ، ولكنهم يعاندون ويستكبرون ، وتدفعهم الإحن والحسد والعصبية الحمقاء ، فهذا أبو جهل يقول : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به : فهم لا يكذبون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكنهم يفهمون خطأ أن ما جاء به من أمور البعث والحياة الأخرى غير مطابق للواقع ، ولا يقتضى هذا أن يكون هو الذي افتراه ، على أنهم ما كذبوه في أنفسهم ولكنهم كذبوه أمام الناس فقط ! ! وكان إصرارهم على التكذيب مع ظهور المعجزات والآيات تكذيبا لآيات اللّه ، أما أنت أيها الرسول الكريم فلا تحزن عليهم وتذرع بالصبر والسلوان ، واعتبر بمن تقدمك من الرسل الكرام ، فهذه طبيعة الناس قديما وحديثا ، ولقد كذبت رسل من قبلك ، خاصة أولى العزم منهم ، فصبروا على أذاهم إلى أن نصرهم اللّه
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
. [ سورة البقرة آية 214 ] . وهذه هي سنة اللّه في الأمم مع رسلهم ، ولن تجد لسنة اللّه تحويلا ، فاصبر كما صبر