تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
أولو العزم من الرسل ، واعلم أن اللّه يدافع عن الذين آمنوا ، وأنه لا مبدل لكلمات اللّه أبدا ولا مغير لوعده . ولقد جاءك من أخبار المرسلين التي تفيد تكذيب الناس لهم وصبرهم ونصر اللّه لهم
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
[ غافر 51 ] . وكانوا يقترحون على النبي آيات ويعلقون الإيمان عليها :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
إلى آخر ما ذكر في الآيات من سورة الإسراء . فرد اللّه عليهم بما معناه : وإن كان كبر عليك إعراضهم وما يطلبون ، ورأيت أن إتيانهم بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم فيؤمنون ، فإن استطعت أن تبتغى لنفسك نفقا تطلبه في الأرض فتذهب في أعماقها أو سلما في الجو فترقى إلى أطباق السماء فتأتيهم بآية مما اقترحوا فأت بها ، ولكنك رسول والرسول لا يقدر على شيء أبدا مما يعجز عنه البشر ، ولا يستطيع إيجاده إلا الخالق ، واعلم أنه لو شاء اللّه لجمعهم على الهدى وما جئت به ولكنه شاء اختلافهم وتفاوتهم واختبارهم وما يترتب على ذلك . الناس فريقان ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى ، فريق تتلى عليه آيات اللّه فيسمعها سماع قبول ، وينظر إليه نظرة اعتبار وتذكر ، نظرة خالية من الهوى والعناد والاستكبار ، وهؤلاء يستجيبون لما دعاهم اللّه فهم كالتربة الصالحة للإنبات تقبل الماء وتنبت الكلأ . وفريق تتلى عليه الآيات فيظل متكبرا سادرا في غلوائه ، لا ينظر ولا يعتبر ، ولا يسمع سماع قبول ، وهم موتى القلوب ، وأبعد الناس من الانتفاع بما يسمعون . هؤلاء يترك أمرهم إلى اللّه فهو الذي يبعثهم بعد موتهم ، فيحاسبهم ويجازيهم ثم إليه يرجعون ، هو القادر على ذلك وحده فلا تبخع نفسك عليهم حسرات ، إذ ليس في استطاعتك هدايتهم ، إنما عليك البلاغ ، وعلى اللّه الحساب ، وقال المشركون المعاندون بعد نزول الآيات تترى التي لو لم يكن فيها إلا القرآن لكفى قالوا : هلا نزل عليه آية من ربه كما اقترحنا ، وقد قالوا :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
التفسير الواضح — صفحة 606 | محمد محمود حجازي