تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وتتساءل الآية في نهايتها : كيف يسوّغ الإنسان لنفسه الانحراف والتنكّب عن الجادة المستقيمة ؟ فيقول تعالى : « فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » . والملاحظ أنّ « تؤفكون » صيغة مجهول ، بمعنى أنّها تحرفكم عن طريق الحق ، وكأنّ المراد هو أنّ المشركين فاقدون للإرادة إلى درجة أنّهم يساقون في هذا المسير دون أيّ نسبة من الحرية والإرادة والاختيار في هذا المجال ! الآية الأخيرة - من مجموعة الآيات التي نبحثها - تأتي وكأنّها تأكيد لمواضيع الآيات السابقة ، فيقول تعالى : « كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » . « يجحدون » : مشتقة من مادة « جحد » وهي في الأصل تعني إنكار الشيء الموجود في القلب والنفس . بمعنى أنّ الإنسان يقر في نفسه وقلبه بعقيدة أو بشيء ما ، وفي نفس الوقت ينفيه ويتظاهر بعكسه أو يعتقد بعدمه في نفسه ويثبته في لسانه . ويطلق وصف الجحود على البخلاء والذين لا يؤمّل منهم الخير ويتظاهرون بالفقر دائماً . بعض علماء اللغة أوجز في تفسير « جحد » و « جحود » بقولهم : الجحود الإنكار مع العلم . وبناءً على ما تقدّم فإنّ الجحود يتضمّن في داخله نوعاً من معاني العناد في مقابل الحق . اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 64 ) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 65 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 66 ) ذلكم اللَّه ربّكم : تستمر هذه المجموعة من الآيات الكريمة بذكر المواهب الإلهية العظيمة وشمولها للعباد ، كي تهب لهم المعرفة ، وتُربّي في نفوسهم الأمل بالدعاء والتسليم وطلب الحوائج من اللَّه تعالى . والطريف في الأمر هنا أنّ الآيات السابقة كانت تتحدث عن « النعم الزمانية » من ليل ونهار ، بينما تتحدث هذه المجموعة عن « النعم المكانية » أي الأرض المستقرة ، والسقف المرفوع ( السماء ) حيث تقول : « اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا » .