تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
تتضمّن الآية في نهايتها تهديداً قويّاً للذين يستنكفون عن الدعاء ، حيث يقول تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ » « 1 » . في الكافي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : « إنّ عند اللَّه عزّ وجل منزلة لا تنال إلّابمسألة ، ولو أنّ عبداً سدّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً فسل تعط يا ميسر إنّه ليس من باب يقرع إلّايوشك أن يفتح لصاحبه » . فبما أنّ الدعاء وطلب الحوائج من اللَّه تعالى يعتبر فرعاً لمعرفته ، لذا تتحدث الآية التي تليها عن حقائق تؤدّي إلى ارتقاء مستوى المعرفة لدى الإنسان ، وتزيد شرطاً جديداً لإجابة الدعاء ، متمثلًا بالأمل في الإجابة ، بل وانتظار تنجز الحاجة وتمامها . يقول تعالى : « اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ » . إنّ ظلمة الليل وهدوءه وسكونه يعتبر - من جانب - سبباً قهرياً لتعطيل الحركة اليومية لعمل الإنسان السوي ونشاطه ، ومن ناحية أخرى تمحو عن الإنسان تعب النهار ، وتدفعه إلى الاستقرار والرأفة لجسده وأعصابه ، في حين يعتبر النور والنهار أساس الحياة والحركة . لذلك يضيف تعالى : « وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا » . ثم تضيف الآية : « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَشْكُرُونَ » . إنّ طبع الإنسان الجاهل هو كفران النعم وترك الشكر ، كما نقرأ ذلك في الآية ( 34 ) من سورة إبراهيم ، في قوله تعالى : « إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ » . الآية التي تليها تبدأ من توحيد الربوبية وتنتهي بتوحيد الخالقية والربوبية . فتقول أوّلًا : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ » . ومربيكم الذي من صفاته أنّه : « خَالِقُ كُلّ شَىْءٍ » . ولا معبود إلّااللَّه : « لَّاإِلهَ إِلَّا هُوَ » . في الواقع إنّ وجود كل هذه النعم دليل على الربوبية والتدبير ، وخالق كل شيء عنوان لصفة التوحيد في الربوبية ، لأنّ الخالق هو المالك والمربي . ومن المعلوم أنّ الخلق يستدعي الرعاية الدائمة لأنّ الخالقية لا تعني أنّ اللَّه يخلق الخلق ويتركها وشأنها ، بل لابدّ وأن يكون الفيض الإلهي مستمراً في كل لحظة على جميع الموجودات . ولذلك فهذه الخالقية لا تنفصل عن الربوبية .
هامش
( 1 ) « داخر » : من « دخور » وتعني الذلة ، وهذه الذلة هي عقوبة ذلك التكبّر والإستعلاء .