تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وبذلك كانت دعوة موسى عليه السلام تستهدف القضاء على الحاكم الظالم ، والمخططات الشيطانية لرموز السياسة في حاشية السلطان الظالم ، وبتر تجاوزات الأثرياء المستكبرين ، وبناء مجتمع جديد يقوم على قواعد العدالة الكاملة في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية . الآية التي بعدها تتعرض إلى بعض مخططات هؤلاء الظلمة في مقابل دعوة النبي موسى عليه السلام : « فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ » . وما نستفيده من الآية هو أنّ قضية قتل الأبناء والإبقاء على النساء فقط لم يقتصر - كأسلوب طاغوتي - على الفترة التي سبقت ولادة موسى عليه السلام فحسب ، وإنّما تمّ تكرار هذه الممارسة أثناء نبوة موسى عليه السلام . ويعبّر هذا الأسلوب عن واحدة من الممارسات والخطط المشؤومة الدائمة للقدرات الشيطانية الظالمة التي تستهدف إبادة وتعطيل الصاقات الفعالة ، وترك غير الفاعلين للاستفادة منهم في خدمة النظام . القرآن يجيب : « وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَللٍ » . لقد قضى اللَّه تعالى بمشيئته أن ينتصر الحق وأهله ، وأن يزهق الباطل وأنصاره . لقد اشتد الصراع بين موسى عليه السلام وأصحابه من جانب ، وبين فرعون وأنصاره من جانب آخر . يقول تعالى : « وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ » . نستفيد من الآية أنّ أكثرية مستشاريه أو بعضهم على الأقل كانوا يعارضون قتل موسى ، لخوفهم أن يطلب عليه السلام من ربّه نزول العذاب بساحتهم ، لما كانوا يرون من معجزاته وأعماله غير العادية . وقد استدل فرعون على تصميمه في قتل موسى عليه السلام بدليلين ، الأوّل ذو طابع ديني ومعنوي ، والآخر ذو طابع دنيوي ومادي ، فقال في الأوّل ، كما يحكي القرآن ذلك : « إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ » . وفي الثاني : « أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادَ » . والآن لنر كيف كان رد فعل موسى عليه السلام والذي يبدو أنّه كان حاضراً في المجلس ؟ يقول القرآن في ذلك : « وَقَالَ مُوسَى إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُم مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لَّايُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ » .
مختصر الامثل — صفحة 314 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي