تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
قال لهم - كما يحكي ذلك القرآن - : أنّ بيدكم حكومة مصر الواسعة مع خيراتها ونعيمها فلا تكفروا بهذه النعم فيصيبكم العذاب الإلهي . « يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا » . ويظهر أنّ هذا الكلام أثّر في حاشية فرعون وبطانته ، فقلّل من غضبهم وغيظهم ، لكن فرعون لم يسكت ولم يقتنع ، فقطع الكلام بالقول : « قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى » . وهو إنّي أرى من المصلحة قتل موسى ولا حلّ لهذه المشكلة سوى هذا الحل . ثم إنّني : « وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ » . وهذه هو حال كافة الطواغيت والجبارين على طول التاريخ ، فهم يعتبرون كلامهم الحق دون غيره . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ ( 31 ) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 33 ) التحذير من العاقبة : كان الشعب المصري آنذاك يمتاز نسبياً بمواصفات التمدّن والثقافة ، وقد اطّلع على أقوال المؤرخين بشأن الأقوام السابقة ، أمثال قوم نوح وعاد وثمود الذين لم تكن أرضهم تبعد عنهم كثيراً ، وكانوا على علم بما آل إليه مصيرهم . لذلك كلّه فكّر مؤمن آل فرعون بتوجيه أنظار هؤلاء إلى أحداث التاريخ وأخذ يحذّرهم من تكرار العواقب الأليمة التي نزلت بغيرهم ، عساهم أن يتيقظوا ويتجنّبوا قتل موسى عليه السلام . يقول القرآن الكريم حكاية على لسانه : « وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُم مّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ » . ثم أوضح مراده من هذا الكلام بأنّني خائف عليكم عن العادات والتقاليد السيئة التي كانت متفشّية في الأقوام السالفة : « مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ » . هل عندكم ضمان بأنّكم لستم مثل أولئك ؛ أو أنّ العقوبات الإلهية لا تشملكم ؛ ترى ماذا عمل أولئك حتى أصابهم ما أصابهم ، لقد اعترضوا على دعوة الأنبياء الإلهيين ، وفي بعض الأحيان عمدوا إلى قتلهم . . . لذلك كلّه فإنّي أخاف عليكم مثل هذا المصير المؤلم .
مختصر الامثل — صفحة 316 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي