تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وتنخدع إذاً لتحرّكهم في البلاد وتنقّلهم في المدن المختلفة ، واستعراضهم لقوّتهم : « فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلدِ » . « يجادل » : مشتقة من « جدل » وهي في الأصل تعني لفّ الحبل وإحكامه ، ثم عمّ استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه ، ولهذا فإنّ كلمة ( مجادلة ) تطلق على عمل الاشخاص المتقابلين ويريد كل شخص أن يلقي حجته ويثبت كلامه ويغلب خصمه . « تقلب » : مشتقة من « قلب » وتعني التغيير ، و « تقلّب » هنا بمعنى التصرّف في المناطق والبلاد المختلفة للسيطرة والتسلّط عليها ، وتعني الذهاب والإياب فيها أيضاً . إنّ هدف الآية تحذير للرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين به - في بداية البعثة - من الذين كانوا من الطبقة المستضعفة المحرومة ، بأن لا يركنوا إلى الإمكانات المالية أو القوة السياسية والاجتماعية للكفار ، ويعتبرونها دليلًا على حقانيتهم أو سبباً لقوتهم الحقيقية ، إذ هناك الكثير منهم في تاريخ هذه الدنيا ، وقد انكشف ضعفهم وسقطت عنهم سرابيل القوة المزعومة ليبيّن عجزهم حيال العقاب الإلهي . لذلك توضّح الآية التي بعدها عاقبة بعض الأمم السابقة التي ضلّت الطريق وانكفأت عن جادّة الحق والصواب ، فتقول في عبارات قاطعة واضحة تحكي عاقبة قوم نوح وحالهم ومن تلاهم من أقوام وجماعات : « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ » . هؤلاء هم « الأحزاب » الذين تآزروا ووقفوا ضدّ دعوات الأنبياء الإلهيين ، لتعارض مصالحهم مع روح هذه الدعوات ومضامينها الربانية . إنّهم لم يقتنعوا بمجرّد الوقوف ضدّ الدعوات النبوية الكريمة ، بل خططت كل امّة منهم لأن تمسك بنبيّها فتسجنه وتؤذيه ، بل وحتى تقتله : « وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ » . ثم لم يكتفوا بهذا القدر أيضاً ، بل لجأوا إلى الكلام الباطل لأجل القضاء على الحق ومحوه ، وأصرّوا على إضلال الناس وصدّهم عن شريعة اللَّه : « وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ » « 1 » . إلّا أنّ هذا الوضع لم يستمر طويلًا ، ولم يبق لهم الخير دوماً ، إذ حينما حان الوقت المناسب جاء الوعد الإلهي : « فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ » .
هامش
( 1 ) « ليدحضوا » : مصدرها ثلاثي « إدحاض » وتعني الإزالة والإبطال .