تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وبتعبير آخر : فلو أنّ نظام الخلق أوجد فينا عطشاً ، فإنّ ذلك دليل على أنّ للماء وجوداً في العالم الخارجي ، كذلك فإنّ وجود الغريزة الجنسية والميل إلى الجنس الآخر يدلّل على وجود الجنس الآخر في العالم الخارجي ، وإلّا فإنّ الإنجذاب بدون أن يكون له مدلول وموضوع خارجي لا يتفق مع حكمة الخلق . ومن جهة أخرى فعندما نبحث في التاريخ البشري منذ أيام نشأة ذلك التاريخ فإنّنا نجد دلائل كثيرة على الإعتقاد الراسخ لدى الإنسان بالحياة بعد الموت ، فالآثار التي وصلت إلينا من البشر الغابرين - وحتى إنسان ما قبل التاريخ - وبالأخص طريقة دفن الموتى ، وكيفية بناء القبور ، وحتى دفن الأشياء المختلفة مع الموتى ، كلها دليل على ما ترسّخ في وجدانهم من الإعتقاد بالحياة بعد الموت . « صاموئيل كنيك » أحد علماء النفس المعروفين يقول : « إنّ التحقيقات الدقيقة تشير إلى أنّ المجموعات البشرية الأولى على سطح الأرض ، كانت لهم إعتقادات معينة ، لأنّهم كانوا يلحدون موتاهم بطريقة معينة في الأرض ، ويضعون معهم وسائل وآلات أعمالهم التي كانوا يمارسونها قبل الموت إلى جانبهم ، وبهذه الطريقة فإنّهم يثبتون اعتقادهم بوجود عالم ما بعد الموت » « 1 » . فهؤلاء اعتقدوا بالحياة بعد الموت ، وإن كانوا قد سلكوا طريقاً خاطئاً في اعتقادهم كتوهّمهم أنّ تلك الحياة شبيهة بهذه الحياة تماماً . على كل حال ، فلا يمكن قبول أنّ ذلك الإعتقاد القديم مجرد وهم أو نتيجة للتلقين والعادة . ومن جهة ثالثة ، فإنّ وجود محكمة « الوجدان » ، دليل آخر على فطرية الإعتقاد بالمعاد . فكلّ إنسان عندما ينجز عملًا حسناً فإنّه يستشعر في أعماقه وفي وجدانه الطمأنينة التي لا يمكن أحياناً وصفها بأي بيان أو كلام . وعلى العكس عندما يرتكب الذنوب وخصوصاً الجنايات الكبرى ، فإنّه يستشعر عدم الراحة ، إلى حد تصل الحالة في البعض إلى الانتحار ، أو يسلّموا أنفسهم إلى المحاكم لنيل العقاب والتعلق على أعواد المشانق .
هامش
( 1 ) علم الاجتماع ، ساموئيل كنيك / 192 .