تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
الآية الأولى من الآيات محل البحث تتحدث عن التوحيد والربوبية أيضاً ، وانسجاماً مع سياق الآيات السابقة التي كانت تتحدث عن غرور بعض الناس الماديين عند إقبال النعمة عليهم ، ويأسهم وقنوطهم عند مواجهتهم الشدائد والبلاء ، فإنّها تقول : « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ » . إنّ العالم هو عالم الأسباب ، لكن هذه القاعدة في الوقت ذاته ليست دائمية ولا كلية ، إذ يتفق أن نرى أناساً جديرين وجادّين يركضون من هنا وهناك ، إلّاأنّهم لا يصلون إلى نتيجة يبلغون هدفهم ، وعلى العكس منهم قد نشاهد أناساً لا يسعون ولا يجدّون وتتفتح عليهم أبواب الرزق من كل حدب وصوب . وهذه الاستثناءات كأنّها لبيان أنّ اللَّه بالرغم من جميع ما جعل للأسباب من تأثير ، لا ينبغي أن يُنسى في عالم الأسباب ، ولا ينبغي للإنسان أن يغفل أنّ وراء هذا العالم يداً قوية أخرى تديره كيف شاءت . لذلك يقول القرآن في نهاية الآية : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . وحيث إنّ كل نعمة وموهبة ينالها الإنسان تحمّله وظائف ومسؤوليّات وعليه أداؤها ، فإنّ القرآن يوجه الخطاب للنّبي صلى الله عليه وآله في الآية التالية قائلًا : « فَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ » . والتعبير ب « حقّه » كاشف عن أنّهم شركاء في أموال الإنسان ، وإذا دفع المرء شيئاً من ماله إليهم فإنّما يؤدّي حقّهم ، وليس له منّ عليهم . إنّ القرآن يبيّن في نهاية الآية ترغيباً للمحسنين ، وشرط القبول ضمناً ، فيقول : « ذلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » . ومع الالتفات إلى أنّ المراد من « وَجْهَ اللَّهِ » ذاته المقدّسة ، فإنّ هذه الآية تشير إلى أنّ الإنفاق وإيتاء حقّ الأقارب وأصحاب الحق الآخرين ليس كافياً ، بل المهم هو الإخلاص والنية الطاهرة والخالية من أي أنواع الرياء والمنة والتحقير وانتظار الأجر والثواب . وتشير الآية التالية - بمناسبة البحث المتقدم عن الإنفاق الخالص - إلى نوعين من الإنفاق : أحدهما للَّه ، والآخر يراد منه الوصول إلى مال الدنيا ، فتقول : « وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن رّبًا لّيَرْبُوَا فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا ءَاتَيْتُم مّن زَكَوةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ » . « الربا » : معناه في الأصل « الزيادة » ، وهنا أنّ المراد من الربا هو الهدايا التي يقدمها بعض