تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
للطفل ، ثم توسعوا في المعنى فصار المهد والمهاد لكل مكان مهيأ ومعد « وفيه منتهى الدعة والراحة » وقد انتخب هذا التعبير لأهل الجنّة والمؤمنين الصالحين ، من هذه الجهة . ومن الطريف أنّ القرآن اكتفى في شأن الكفار بالتعبير ب « مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ » ولكن بالنسبة للمؤمنين تضيف الآية التالية : أنّ المؤمنين لا يرون أعمالهم فحسب ، بل يوليهم اللَّه من مواهبه وفضله فيقول : « لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ » . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 48 ) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ( 49 ) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 ) ومن المسلّم به أنّ هذا الفضل لا يشمل الكفار إذ : « إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْكفِرِينَ » . قلنا : إنّ في هذه السورة قسماً مهمّاً « يستلفت النظر » من دلائل التوحيد وآيات اللَّه ، مبيناً في سبع آيات تبدأ كل منها بقوله : « وَمِن ءَايَاتِهِ » قرأنا ستّ آيات منها بصورة متتابعة ، والآية الأولى من الآيات أعلاه هي سابع الآيات التي مرّت ، وآخرها . وحيث كان الكلام في الآيات السابقة عن الإيمان والعمل الصالح ، فبيان دلائل التوحيد - أيضاً - تأكيداً على ذلك . تقول هذه الآية : « وَمِنْ ءَايتِهِ أَن يُرْسِلَ الرّيَاحَ مُبَشّرَاتٍ » . فهي تمضي سابقةً للغيث في حركتها ، فتجمع القطع المتفرقة من الغيوم وتربط بينها وتؤلفها وتحملها إلى الأرض اليابسة العطشى ، وتغطي صفحة السماء ، ومع تغير درجة حرارة الجو تهيء المطر للنزول من هذه الغيوم . ولذلك فنحن نقرأ في تعقيب الآية قوله تعالى : « وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 583 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي