تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
أخرى ، يجرانه نحو هذا الهدف شاء أم أبى . وكلّما كانت الأهداف حياتيةً أكثر وعمومية ، كانت هذه « الدوافع » أشدّ وأقوى أيضاً . لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ هذه الدوافع على نحوين : فبعضها باطنية ( غير واعية ) لا تحتاج إلى وساطة العقل والشعور ، كما ينجذب الحيوان نحو الطعام والجنس دون الحاجة إلى التفكير . وقد يكون تأثير الدوافع عن طريق الوعي ، أي إنّ هذه الدوافع الداخلية تترك أثرها في العقل والتفكير وتدفعه إلى انتخاب الطريق . وعادة يطلق على النوع الأوّل من هذه الدوافع « الغريزة » وعلى النوع الثاني « الفطرة » ( فلاحظوا بدقّة ) . عبادة اللَّه والإتجاه نحوه لهما مكانه في نفوس جميع الناس ، وهو ما يصطلح عليه ب « الفطرة » . إنّ لدينا دلائل وشواهد مختلفة توضح بجلاء كون « الميل إلى اللَّه » فطرياً ، بل تؤكّد هذا الميل في جميع أصول الدين وأبعاده : 1 - إنّ دوام الإعتقاد الديني والإيمان باللَّه على امتداد التاريخ البشري بنفسه دليل على الفطرة ، لأنّه إذا كان ذلك على سبيل العادة ، لما كانت له جنبة عمومية ولا جنبة دائمية ، فهذا العموم وهذا الدوام دليل على فطرية الحالة . 2 - إنّ المشاهدات عياناً في العالم المعاصر تكشف أنّه مع جميع ما بذل الطغاة والمستبدون - وأنظمتهم الجائرة من جهود وسعي لمحو الدين وآثاره وعن طرق مختلفة - لم يستطيعوا أن يستأصلوا الدين وجذوره من أعماق هذه المجتمعات . 3 - الكشوفات الأخيرة من قبل النفسانيين وعلماء النفس في مجال أبعاد الروح الإنسانية ، شاهد آخر على هذا المدعى ، إذ أنّهم يقولون : « إنّ التحقيقات في المجالات النفسية تشير إلى بعد أصيل هو « البعد الديني » . أو بتعبير آخر : « بعد قدسي » أو « رباني » وربّما عدّوا هذا البعد أساساً للأبعاد الثلاثة الأخرى وهي « البعد العلمي » و « البعد الجمالي » و « البعد الخيّر » . إذ يدّعون بأنّ البواعث الأساسية للروح البشرية هي هذه : أ ) دافع البحث عن الحقيقة ( الشعور العلمي ) وهو مصدر أنواع العلوم ، والأهداف التحقيقية المستمرة ، والمتابعات في معرفة عالم الوجود . ب ) حس « الإحسان والعمل الصالح » الذي يجذب الإنسان نحو المفاهيم الأخلاقية