تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
ويضيف القرآن في الآية التالية : ينبغي أن يكون التفاتكم للدين الحنيف والفطري حالة كونكم « مُنِيبِينَ إِلَيْهِ » فأصلكم وأساسكم على التوحيد ، وينبغي أن تعودوا إليه أيضاً . « منيبين » : من مادة « إنابة » وهي في الأصل تعني الرجوع المكرر ، وتعني هنا الرجوع نحو اللَّه والعودة نحو الفطرة ( التوحيدية ) . ويعقب على الأمر بالإنابة والعودة إليه ، بالأمر بالتقوى ، وهي كلمة تجمع معاني أوامر اللَّه ونواهيه ، إذ يقول : « وَاتَّقُوهُ » أي اتقوا مخالفة أوامره . ثم يؤكّد القرآن على موضوع الصلاة من بين جميع الأوامر فيقول : « وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ » . لأنّ الصلاة في جميع أبعادها ، هي أهم منهج لمواجهة الشرك ، وأشدّ الوسائل تأثيراً في تقوية أسس التوحيد والإيمان باللَّه سبحانه . كما أنّه يؤكّد في نهيه عن « الشرك » من بين جميع النواهي فيقول : « وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . لأنّ الشرك أعظم الذنوب وأكبر الكبائر ، فإنّ اللَّه لا يغفره . وفي آخر آية - من الآيات محل البحث - يبيّن القرآن واحداً من آثار الشرك وعلائمه في عبارة موجزة ذات معنى كبير ، فيقول : لا تكونوا من المشركين الذين انقسموا في دينهم على فرق واحزاب كثيرة : « مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا » . والعجيب في الأمر أنّهم على تضادّهم واختلافهم فإنّ « كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » . أجل ، إنّ واحدة من علائم الشرك هي التفرقة ، لأنّ المعبودات المختلفة هي منشأ الأساليب المتفاوتة وهي أساس الانفصال والتفرق . بحث التوحيد باعث داخلي قوي : كما أنّ الدلائل العقلية والمنطقية توجّه الإنسان ، فإنّ في داخله دوافع وموانع أيضاً . . بحيث تعين له الجهة « أحياناً » من حيث يدري أو لا يدري . وفلسفة وجودها في داخل الإنسان ، هي أنّ الإنسان لا يستطيع - دائماً - أن ينتظر إيعاز العقل والمنطق ، لأنّ هذا العمل قد يعطل الأهداف « الحياتية » بعض الأحيان . فمثلًا لو أراد الإنسان أن يستلهم من منطق « لزوم بدل ما يتحلل » ضرورة تناول الطعام . . أو « لزوم استمرار النسل عن طريق التوالد والتناسل » ضرورة الممارسة الجنسية ، وأن يعمل ويتحرك وفق المنطق في كل ذلك ، لكان ينبغي أن ينقرض الإنسان - قبل هذا الزمان بكثير - إلّاأنّ الغريزة الجنسية من جهة وجاذبيتها ، والإشتهاء للطعام من جهة