والتعبير ب « دعاكم » إشارة إلى أنّه كما أنّ أمراً واحداً منه كاف للتدبير ولنظم العالم ، فإنّ دعوة واحدة منه كافية لأن تبعثكم من رقدتكم وتنشركم من قبوركم ليوم القيامة .
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ( 26 ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 29 )
المالكية للَّهوحده : كانت الآيات المتقدمة تتحدث حول توحيد الخالق ، وتوحيد الرّب ، أمّا الآية الأولى من هذه الآيات محل البحث فتتحدث عن فرع آخر من فروع التوحيد ، وهو توحيد الملك فتقول : « وَلَهُ مَن فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » .
ولأنّهم ملك يده ف « كُلٌّ لَهُ قنِتُونَ » وخاضعون .
أي إنّ زمام أمر الجميع من جهة القوانين التكوينية كله في يده ، وهم مستسلمون لقانون عالم التكوين وفق مشيئة اللَّه ، شاؤوا أم أبوا .
والدليل على هذه « المالكية » هو الخالقية والربوبية ، فإنّ من خلق الموجودات في البداية وتكفلها بالتدبير ، فمن المسلم أنّه هو المالك الأصلي لها لا سواه .
وحيث إنّ المسائل المرتبطة بالمبدأ والمعاد هي كالنسيج الواحد في انسجامها في سلسلة الآيات الآنفة ، والتي ستأتي في ما بعد ، ففي الآية التالية يعود القرآن إلى موضوع المعاد ، فيقول : « وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » .
إنّ القرآن يثبت في هذه الآية - بأوجز الإستدلال - مسألة إمكان المعاد ، إذ يقول لهم : إنّكم تعتقدون أنّ بداية الخلق من قبل اللَّه ، فعودة الخلق مرّة أخرى أيسر وأهون من بداية الخلق .
ولكن من الضروري أن نلتفت إلى هذه « اللطيفة » ، وهي أنّ التعبير بالهيّن والصعب ، هو
مختصر الامثل — صفحة 573
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٧٣