تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
الكافرين . فأوّل نبيّ تتحدث عنه هذه السورة ، هو موسى عليه السلام أحد الأنبياء « أولي العزم » وتبدأ مباشرة بأهم نقطة من حياته وأكثرها « حسّاسية » وهي لحظة نزول الوحي على قلبه وإشراقه فيه ، وتكليم اللَّه إيّاه ، إذ تقول الآية : « إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنّى ءَانَسْتُ نَارًا » « 1 » . أي رأيت ناراً من بعيد ، فامكثوا هنيئة « سَاتِيكُم مّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ » « 2 » . في تلك الليلة الظلماء ، كان موسى عليه السلام يسير بزوجته بنت النبي شعيب عليه السلام في طريق مصر - وفي الصحراء - فهبت ريح باردة ، وكانت زوجته ( أهله ) مقرّباً ، فأحسّت بوجع الطلق ، فوجد موسى عليه السلام نفسه بمسيس الحاجة إلى النار لتصطلي المرأة بها ، لكن لم يكن في الصحراء أيّ شيء ، فلمّا لاحت له النّار من بعيد سُرّ كثيراً ، وعلم أنّها دليل على وجود إنسان أو أناس ، فقال : سأمضي وآتيكم منها بخبر أو شعلة للتدفئة . وهكذا فقد ترك موسى أهله في ذلك المكان واتّجه نحو « النار » التي آنسها « فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحنَ اللَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ » . إنّ المراد من « مَن فِى النَّارِ » هو موسى نفسه ، حيث كان قريباً منها ومن الشجرة الخضراء التي عندها ، فكأنّ موسى كان في النار نفسها ؛ وأنّ المراد من « مَنْ حَوْلَهَا » هم الملائكة المقربون من ساحة القدس ، الذين كانوا يحيطون بتلك الأرض المقدسة في ذلك الوقت . أو أنّ المراد - على عكس ما ذكرنا آنفاً - فمن في النار : هم الملائكة المقربون ، ومن حولها هو موسى عليه السلام . ومرّة أخرى نودي موسى بالقول : « يمُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . وذلك يزول عن موسى عليه السلام كل شك وتردد ، وليعلم أنّ الذي يكلمه هو رب العالمين ، لا شعلة النار ولا الشجرة ، الربّ القوي العزيز الذي لا يغلب ولا يُقهر ، والحكيم ذو التدبير في جميع الأمور . وحيث إنّ الصدع بالرسالة والبلاغ ( وأية رسالة وبلاغ . . . رسالة إلى جبار مستكبر ظالم
هامش
( 1 ) « آنستُ » : فعل ماض مأخوذ من « الإيناس » ، وهو الرؤية المقرونة بالراحة النفسية والسكينة وإنّما يطلق على الإنسان فهو لهذا المعنى . ( 2 ) « الشهاب » : هو النور الذي ينبثق من النّار كالعمود ، وكل نور له عمود يدعى شهاباً ؛ و « القبس » : شعلة من النّار تنفصل عنها ؛ و « تصطلون » : من الاصطلاء وهو الدفء ( بالنّار ) .