تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
هباءٍ ، وهو يشاهد اليوم عاقبة أمره ، وما إرتكبه من ذنوب ومعاص ، فيرتفع صراخه وعويله : « قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ » . ارجعني يا ربّ « لَعَلّى أَعْمَلُ صلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ » . ولكن قانون الخلق العادل لا يسمح بمثل هذه العودة ، لا يسمح بعودة الصالح ولا الطالح ، فيأتيه النداء الدامغ « كَلَّا » . « إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا » . كلام لم يصدر من أعماقه ، ومتى هدأت العاصفة بوجههم عادوا لسابق أعمالهم القبيحة . وتشير الآية في نهايتها إلى عالم البرزخ الغامض بعبارة قصيرة ذات دلالة كبيرة « وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » « 1 » . فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ( 104 ) جانب من عقاب المسيئين : تحدّثت الآيات السابقة عن عالم البرزخ ، وأعقبتها آيات تناولت القيامة بالبحث ، وتناولت كذلك جانباً من وضع المذنبين في عالم الآخرة . فهي تقول أوّلًا : « فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ » . من المعلوم - بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم - أنّ النفخ في الصور يجري مرتين : أوليهما في نهاية هذا العالم ، حيث يموت مَن في الأرض والسماوات ، وفي ثانيتهما يبدأ بعث من في القبور ليعودوا لحياة جديدة وليستعدّوا للحساب والجزاء . إنّ الآية السابقة أشارت إلى ظاهرتين من ظواهر يوم القيامة : أوليهما : انتهاء مسألة النسب ، لأنّ رابطة الأسرة والقبيلة التي تسود حياة الناس في هذا العالم تؤدّي في كثير من الحالات إلى نجاة المذنبين من العقاب ، إذ يستنجدون بأقربائهم في حلّ مشاكلهم ، أمّا الوضع يوم القيامة فيختلف ، حيث كل إنسان وعمله ، فلا معين له ، ولا
هامش
( 1 ) « البرزخ » : في الأصل الشيء الذي يقع حائلًا بين شيئين ، ثم استعملت لكل ما يقع بين أمرين ، ولهذا أتت كلمة البرزخ للدلالة على عالم يقع بين عالم الدنيا والآخرة .