تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
والمراد بهذا العذاب أنّه العقاب الدنيوي الذي ابتلى اللَّه به المشركين . وتأكيداً لهذا الموضوع ولنفي كل شك لدى الأعداء ، ولتسلية خاطر الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين ، أضافت الآية اللاحقة : « وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقدِرُونَ » . ولقد تجلّت قدرة اللَّه سبحانه في ساحات مختلفة بعد ذلك . ثم يأمر اللَّه الرسول صلى الله عليه وآله باتباع سياسة اللين في الدعوة إلى الهدى ودين الحق : « ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيّئَةَ » « 1 » . أي : ادفع عدوانهم وسيئاتهم بالعفو والصفح والإحسان ، وكلامهم البذي بالكلام المنطقي الموزون : « نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ » . واللَّه يعلم أنّ أعمالهم القبيحة وكلامهم البذيء وأذاهم القاسي يؤلم الرسول صلى الله عليه وآله ، إلّاأنّه عزّ وجل يدعو إلى عدم الردّ بالمثل ، بل يوجب أن يكون الردّ بالتي هي أحسن . وهذا خير سبيل لإيقاظ الغافلين والمخدوعين . ثم نقرأ أمراً ربّانياً بالاستعاذة باللَّه من مكائد الشيطان : « وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيطِينِ » . إنّه دعاء بالإنقاذ من تربّص الشيطان ومكره الخفي ، ولا يقف الدعاء عند همزات الشياطين بل يستمر في الإستعاذة من حضورهم عنده : « وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونَ » . أي : حضور الشياطين في اجتماعات النبي صلى الله عليه وآله الذي يؤدّي إلى إغفال المجتمعين وإضلالهم ، فعلى محبّي الحق والذابّين عنه وناشديه أن يفوّضوا أمرهم إلى اللَّه ، ليحفظهم من وساوس الشياطين ومكائدهم . حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) طلب المستحيل : تابعت هاتان الآيتان ما تناولته الآيات السابقة من عناد المشركين والمذنبين وتمسكهم بالباطل ، فتناولت حالهم الوخيم حين الموت . وأنّهم يستمرون في باطلهم : « حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ » . حينما يجبر المذنب والمشرك على ترك الدنيا لينتقل إلى عالم آخر ، تزول عنه حجب الغفلة والغرور ، فيرى بأم عينه مصيره المؤلم ، فلا مال ولا جاه ، فقد عاد كل ما يعنيه هباءً في
هامش
( 1 ) والجدير بالذكر أنّ هذا الأمر خاصّ بحالات لا يسيء العدو الاستفادة من هذا المبدأ .
مختصر الامثل — صفحة 339 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي