تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
النار ، وهذا الماء الحارق الفوّار ينفذ إلى داخل أبدانهم ليذيب باطنها وظاهرها « يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ » « 1 » . وثالث نوع من العقاب هو : « وَلَهُم مَّقمِعُ مِن حَدِيدٍ » « 2 » . أي اعدّت لهم أسواط من الحديد المحرق . والرابع : « كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ » . أي كلّما أرادوا الخروج من جهنم والخلاص من آلامها وهمومها أعيدوا إليها ، وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق . وأوضحت الآيات التالية وضع المؤمنين الصالحين ، مستخدمة أسلوب المقارنة ، لتكشف بها عن وضع هاتين المجموعتين ، وهنا تستعرض هذه الآيات خمسة أنواع من المكافئات للمؤمنين : « إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهرُ » . فخلافاً للمجموعة الأولى الذين يتقلّبون في نار جهنم ، نجد أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتّعون بنعيم رياض الجنة على ضفاف الأنهر وهذه هي المكافأة الأولى ، وأمّا لباسهم وزينتهم فتقول الآية : و « يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبِ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ » « 3 » . وهاتان مكافأتان يمنّ اللَّه بهما كذلك على عباده العالمين في الجنة ، يهبهم أفخر الملابس التي حرموا منها في الدنيا ، ويحلّيهم بزينة الأساور التي منعوا عنها في الحياة الأولى ، لأنّها كانت تؤدّي إلى إصابتهم بالغرور والغفلة ، وتكون سبباً لحرمان الآخرين وفقرهم ، أمّا في الجنّة فينتهي هذا المنع ويباح للمؤمنين لباس الحرير والحلي وغيرها . وأخيراً الهبة الرابعة والخامسة التي يهبها اللَّه للمؤمنين الصالحين ذات سمة روحانية « وَهُدُوا إِلَى الطَّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ » حديث ينمي الروح . وألفاظ تثير حيوية الإنسان ، وكلمات ملؤها النقاء والصفاء التي تبلغ بالروح درجة الكمال وتملأ القلب بهجةً وسروراً ، « وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ » « 4 » . هكذا يهدون إلى طريق اللَّه الحميد ، الجدير بالثناء ، طريق معرفة اللَّه
هامش
( 1 ) « يصهر » : مشتقة من « صهر » على وزن « قهر » وتعني تذويب الشحم ؛ أمّا « الصِهر » على وزن « فكر » فتعني النسيب . ( 2 ) « المقامع » : جمع « مقمع » على وزن « منبر » وتعني السوط أو العمود الحديدي يضرب به المذنب عقاباً له . ( 3 ) « أساور » : جمع « أسورة » على وزن « مشورة » وهي بدورها جمع لكلمة « سوار » على وزن « كتاب » وتعني المعضد . ( 4 ) « الحميد » : تعني المحمود ، وتطلق على من يستحقّ الثناء ، وهنا يقصد بها اللَّه تعالى ، وعلى هذا فإنّ « الصراطالحميد » يعني السبيل إلى مقام مقرّب من اللَّه تعالى .