تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
الفصل الأخير من المجابهة مع الظالمين : هذه الآيات جسّدت آخر مرحلة من المواجهة بين بني إسرائيل والفراعنة وبيّنت مصير هؤلاء في عبارات قصيرة ، فتقول أوّلًا : إنّنا جاوزنا ببني إسرائيل البحر - وهو نهر النيل العظيم أطلق عليه اسم البحر لعظمته - أثناء مواجهتهم للفراعنة ، وعندما كانوا تحت ضغط ومطاردة هؤلاء : « وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ » . إلّاأنّ فرعون وجنوده طاردوا هؤلاء من أجل القضاء على بني إسرائيل : « فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا » . « البغي » : يعني الظلم ، « والعدو » : بمعنى التعدي ، أي إنّ هؤلاء إنّما طاردوهم وتعقبوهم لغرض الظلم والتعدي عليهم ، أي على بني إسرائيل . جملة « فأتبعهم » توحي بأنّ فرعون وجنوده قد تتبعوا بني إسرائيل طوعاً . فإنّ هذه الأحداث قد استمرت حتى أوشك فرعون على الغرق ، وأصبح كالقشة تتقاذفه الأمواج وتلهو به ، فعنذاك زالت حجب الغرور والجهل من أمام عينه ، وسطع نور التوحيد الفطري وصدع بالإيمان : « حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ » . فلست مؤمناً بقلبي فقط ، بل إنّي من المسلمين عملياً : « وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ » . ولمّا تحققت تنبؤات موسى عليه السلام الواحدة تلو الأخرى وأدرك فرعون صدق هذا النبي الكبير أكثر فأكثر وشاهد قدرته وقوته ، اضطر إلى إظهار الإيمان على أمل أن ينقذه ربّ بني إسرائيل كما أنجاهم من هذه الأمواج المتلاطمة ولذلك يقول : آمنت أنّه لا إله إلّاالذي آمنت به بنو إسرائيل ! إلّا أنّ من البديهي أنّ مثل هذا الإيمان الذي يتجلّى عند نزول البلاء ونشوب أظفار الموت ، إيمان اضطراري يتشبث به كل جان ومجرم ومذنب وليست له أيّة قيمة ، أو يكون دليلًا على حسن نيّته أو صدق قوله ، ولهذا فإنّ اللَّه سبحانه خاطبه فقال : « ءَالنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ » . لكن « فَالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً » . آية للحكام المستكبرين ولكلّ الظالمين والمفسدين ، وآية للفئات المستضعفة . والمراد من البدن هنا ، جسد فرعون الذي فارقته الروح ، لأنّ عظمة فرعون في أفكار الناس في ذلك المحيط بلغت حدّاً بحيث إنّ الكثير لولا ذلك لم يكن يصدق أن فرعون يمكن أن يغرق ، وكان من الممكن أن تنسج الأساطير والخرافات الكاذبة حول نجاة وحياة فرعون بعد هذه الحادثة ، لذلك ألقى اللَّه سبحانه جسده خارج الماء .
مختصر الامثل — صفحة 363 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي