تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
بالإخلاص قد أثر أثره ، وارتفعت علامات العذاب وعادت المياه إلى مجاريها ، ولمّا رجع يونس إلى قومه بعد احداث ووقائع كثيرة وقعت له قبلوه بأرواحهم وقلوبهم . ثم إنّ القصة أعلاه تبيّن بصورة ضمنية مدى تأثير القائد الواعي الرشيد الحريص في القوم أو الامّة ، في حين أن العابد الذي لا يمتلك الوعي الكافي يعتمد على الخشونة أكثر ، وهكذا يفهم من هذه الرواية منطق الإسلام في المقارنة بين العبادة الجاهلة ، والعلم الممتزج بالاحساس بالمسؤولية . وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ( 100 ) لا خير في الإيمان الإجباري : لقد طالعنا في الآيات السابقة أنّ الإيمان الاضطراري لا يجدي نفعاً أبداً ، ولهذا فإنّ الآية الأولى من هذه الآيات تقول : « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا » . وبناء على هذا فلا يعتصر قلبك ألماً لعدم إيمان جماعة من هؤلاء ، فإنّ من مستلزمات أصل حرية الإرادة والاختيار أن يؤمن جماعة ويكفر آخرون ، وإذا كان الأمر كذلك « أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » . إنّ هذه الآية تنفي بصراحة مرّة أخرى التهمة الباطلة التي قالها ويقولها أعداء الإسلام بصورة مكررة ، حيث يقولون : إنّ الإسلام دين السيف ، وقد فرض بالقوة والإجبار على شعوب العالم ، فتجيب الآية - ككثير من آيات القرآن الأخرى - بأنّ الإيمان الإجباري لا قيمة له ، والدين والإيمان شيء ينبع عادة من أعماق الروح ، لا من الخارج وبواسطة السيف ، خاصه وأنّها حذرت النبي صلى الله عليه وآله من إكراه وإجبار الناس على الإيمان والإسلام . الآية التالية قد ذكرت هذه الحقيقة أيضاً ، وهي أنّ البشر وإن كانوا أحراراً في اختيارهم ، إلّا أنّه « وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » ولهذا فإنّ هؤلاء قد ساروا في طريق الجهل وعدم التعقل ، ولم يكونوا مستعدين للاستفادة من رأس مال فكرهم وعقلهم ، وسوف لا يوفقون للإيمان وهم على هذا الحال ، إذ « وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايَعْقِلُونَ » .