بِهِ السّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ » . فأنتم أفراد فاسدون ومفسدون لأنّكم تخدمون حكومة جبارة وظالمة وتعملون على تقوية دعائم هذه الحكومة الغاشمة الدكتاتورية وهذا بنفسه أقوى دليل على كونكم مفسدين ، و « إِنَّ اللَّهَ لَايُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ » .
وفي الآية الأخيرة ، إنّ موسى قال لهؤلاء : إنّ النصر والغلب لنا في هذه المبارزة حتماً ، لأنّ اللَّه سبحانه قد وعد أن يظهر الحق بواسطة المنطق القاطع ، ومعجزات أنبيائه القاهرة ، ويفضح ويخزي المفسدين وأهل الباطل وإن كره المجرمون ذلك : « وَيُحِقُّ اللَّهَ الْحَقَّ بِكَلِمتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ » .
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 83 ) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ( 84 ) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 85 ) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 86 ) المرحلة الثالثة : عكست هذه الآيات مرحلة أخرى من المواجهة الثورية بين موسى وفرعون ، ففي البداية تبيّن وضع المؤمنين فتقول : « فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ » .
إنّ هذه المجموعة الصغيرة القليلة ، والتي كان الشباب والأشبال يشكّلون أكثريتها بمقتضى ظاهر كلمة ذريّة ، كانت تواجه ضغوطا شديدة من فرعون وأتباعه إلى درجة أنّهم خافوا أن يصل بهم الأمر إلى ترك دين موسى نتيجة هذه الضغوط الشديدة : « عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ » .
فقد حدّث موسى هؤلاء بلسان المحبّة والمودة من أجل تهدئة خواطرهم وتسكين قلوبهم : « وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ » .
إنّ حقيقة التوكل هي إلقاء العمل والتصرف في الأمور على كاهل الوكيل ، وليس معنى التوكل أن يترك الإنسان الجد والسعي ، بل معناه أن يبذل قصارى جهده ، فإذا لم يستطع أن يحل المشكلة فلا يدع للخوف طريقاً إلى نفسه ، بل يصمد أمامها بالتوكل والاعتماد على لطف اللَّه والاستعانة بذاته المقدسة وقدرته اللامتناهية ، ويستمر في جهاده المتواصل .
إنّ هؤلاء المؤمنين المخلصين أجابوا دعوة موسى بالتوكل : « فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا » . ثمّ
مختصر الامثل — صفحة 360
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٦٠