جانب من جهاد موسى وهارون : لقد جرى ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة كنماذج حيّة ، وبدأ الحديث أوّلًا عن نوح عليه السلام ثمّ عن الأنبياء بعد نوح ، ووصل الدور في هذه الآيات إلى موسى وهارون عليهما السلام ومواجهاتهم المستمرة مع فرعون وأتباعه ، فتقول الآية الأولى :
« ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ بَايَاتِنَا » .
إلّا أنّ فرعون وأتباعه امتنعوا عن قبول دعوة موسى ، وعن التسليم في مقابل الحق :
« فَاسْتَكْبَرُوا » . ونظراً للتكبر والاستعلاء وعدم امتلاكهم لروح التواضع فإنّهم لم يلتفتوا إلى الحقائق الواضحة في دعوة موسى ، وأصرّوا واستمروا في إجرامهم : « وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ » .
وتتحدث الآية التالية عن مراحل مواجهة الفراعنة لموسى وأخيه هارون ، وأوّل تلك المراحل هي مرحلة الإنكار والتكذيب والافتراء واتهامهما بسوء النية ، وابطال سنن الأجداد ، والإخلال بالنظام الاجتماعي ، كما يقول القرآن : « فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ » .
إلّا أنّ موسى عليه السلام نهض للدفاع عن نفسه ، فأزاح الستار وأوضح كذب هؤلاء وأبطل تهمتهم ، ففي البداية : « قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذَا » .
صحيح أنّ لكل من السحر والمعجزة نفوذاً وتأثيراً ، وأنّ من الممكن أن يؤثر الحق والباطل على ادراكات الناس ونفسياتهم ، إلّاأنّ السحر الذي هو أمر باطل يتميز تماماً عن المعجزة التي هي حق ، إذاً لا يمكن المقارنة بين نفوذ الأنبياء ونفوذ السحرة ، فإنّ أعمال السحرة تفتقد إلى الهدفية ومحدودة ولا قيمة لها ، ومعجزات الأنبياء لها أهداف إصلاحية وتغييرية وتربوية واضحة ، وتعرض بشكل واسع وغير محدود .
مختصر الامثل — صفحة 358
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٨