تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وهذا درس كبير لكل القادة الإسلاميين بأن لا يخافوا ولا ينهاروا أمام عظمة الأعداء وكثرتهم ، بل إنّهم باتكالهم على اللَّه كانوا يدعون هؤلاء إلى الميدان بكل حزم واقتدار ويستصغرون قوتهم ، فكان هذا عاملًا مهماً في تقوية معنويات الأتباع والمؤيدين ، وتدمير معنويات العدو وانهيارها . وذكرت الآية التالية بياناً آخر عن نوح من أجل إثبات أحقيّته ، هناك حيث تقول : « فَإِن تَوَّلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ » ، فإنّي أعمل له ، ولا أريد الأجر إلّا منه « وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » . إنّ مقولة نوح هذه درس آخر للقادة الإلهيين بأن لا يتوقعوا أي جزاء مادي ومعنوي من الناس لقاء دعوتهم وتبليغهم ، لأنّ هذا التوقع يوجد نوعاً من التعلق النفسي الذي يؤدّي إلى عرقلة أساليب الدعوة الصريحة والنشاطات الحرة . وتبيّن الآية الأخيرة عاقبة ومصير أعداء نوح ، وصدق توقعه وقوله السابق بهذه الصورة : « فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ » . ولم ننقذهم وحسب ، بل « وَجَعَلْنَاهُمْ خَلِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَايتِنَا » . وفي النهاية توجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وتقول : « فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ » . ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) الرسل بعد نوح : بعد انتهاء البحث الإجمالي حول قصّة نوح ، أشارت هذه الآية إلى الأنبياء الآخرين الذين جاؤوا بعد نوح وقبل موسى عليهما السلام لهداية الناس كإبراهيم وهود وصالح ولوط ويوسف عليهم السلام فقالت : « ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيّنَاتِ » . فقد كانوا مسلّحين كنوح بسلاح المنطق والإعجاز والبرامج البناءة ، إلّاأنّ الذين سلكوا طريق العناد وكذّبوا الأنبياء السابقين ، كذّبوا هؤلاء الأنبياء أيضاً ولم يؤمنوا بهم « فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ » . وكان ذلك نتيجة للعصيان والتمرّد وعداء الحق الذي أوصد تلك القلوب « كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ » .
مختصر الامثل — صفحة 357 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي