والثاني : أنّهم إنّما ينفقون عن كره وإجبار .
كما أنّ صلواتهم لا تُقبل لسببين أيضاً :
الأوّل : لأنّهم « كَفَرُوا بِاللَّهِ . . . » .
والثاني : أنّهم « لَايَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى » .
وفي آخر آية من الآيات محل البحث يتوجه الخطاب نحو النبي قائلًا : « فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوَلدُهُمْ » .
فهي وإن كانت نعمةً بحسب الظاهر ، إلّاأنّه : « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ » .
وفي الواقع فإنّهم يعذبون عن طريقين بسبب هذه الأموال والأولاد ، أي القوة الاقتصادية والإنسانية :
فالأوّل : إنّ مثل هؤلاء الأبناء لا يكونون صالحين عادة ، ومثل هذه الأموال لا بركة فيها ، فيكونان مدعاة قلقهم وألَمِهِم في الحياة الدنيا ، إذ عليهم أن يسعوا ليل نهار من أجل أبنائهم الذين هم مدعاة أذاهم وقلقهم ، وأن يجهدوا أنفسهم لحفظ أموالهم التي اكتسبوها عن طريق الإثم والحرام .
والثاني : لما كانوا متعلقين بهذه الأموال والأولاد ، ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت ولا بالدار الآخرة الواسعة ولا بنعيمها الخالد ، فليس من الهيّن أن يغمضوا عن هذه الأموال والذرية ، وبالتالي يخرجون من هذه الدنيا - بحال مزرية وفي حال الكفر .
فالمال والبنون قد يكونان موهبة وسعادة ومدعاة للرفاه والهدوء والاطمئنان والدعة إذا كانا طاهرين طيبين وإلّا فهما مدعاة العذاب والشقاء والألم .
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) علامة أخرى للمنافقين : ترسم الآيتان أعلاه حالة أخرى من أعمال المنافقين بجلاء ، إذ تقول الآية الأولى : « وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ » ومن شدّة خوفهم وَفَرقِهم يخفون كفرهم ويظهرون الإيمان .
والآية التالية تصوّر شدّة عداوة المنافقين للمؤمنين ونفورهم منهم ، في عبارة موجزة إلّا أنّها في غاية المتانة والبلاغة ، إذ تقول : « لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًا أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 276
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٧٦