ولكن موسى عليه السلام أفهمهم بأنّهم سينتصرون في المآل ، ولكن أمامهم طريقاً طويلًا ، وإنّ هذا الإنتصار - طبقاً للسنة الإلهية - يتحقق في ظل الإستقامة والثبات والسعي والاجتهاد ، كما جاء ذلك في الآية الحاضرة : « قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ » .
ثم يقول في ختام الآية : إنّ اللَّه أعطاكم هذه النعمة ، وأعاد إليكم حريتكم المسلوبة كي ينظر كيف تتصرفون أنتم « فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ » . يعني ستبدأ - بعد الإنتصار - مرحلة امتحانكم واختباركم .
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( 131 ) العقوبات التنبيهية : لقد كان القانون الإلهي العام في دعوة الأنبياء - كما قلنا في تفسير الآية ( 94 ) من نفس هذه السورة - هو أنّهم كلّما واجهوا معارضة كان اللَّه تعالى يبتلي الأقوام المعاندين بأنواع المشاكل والبلايا ، حتى يحسّوا بالحاجة في ضمائرهم وأعماق نفوسهم .
وفي أوّل آية من الآيتين الحاضرتين إشارة إلى نفس هذا المطلب في قصّة فرعون ، إذ يقول تعالى : « وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينِ وَنَقْصٍ مّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » .
ولكن بدل أن يستوعب « آل فرعون » هذه الدروس الإلهية ، ويستيقظوا من غفلتهم وغفوتهم العميقة ، أساءوا استخدام هذا الظرف والحالة ، وفسّروها حسب مزاجهم ، فإذا كانت الأحوال مؤاتية ومطابقة لرغبتهم ، وكانوا يعيشون في راحة واستقرار قالوا : إنّ الوضع الحسن هو بسبب جدارتنا وصلاحنا « فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هذِهِ » .
ولكن عندما تنزل بهم النوائب فإنّهم ينسبون ذلك إلى موسى عليه السلام وجماعته فوراً ويقولون هذا من شؤمهم : « وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ » .
ولكن القرآن الكريم قال في معرض الردّ عليهم : اعلموا أنّ منشأ كل شؤم وبلاء أصابكم إنّما هو من قبل اللَّه ، وأنّ اللَّه تعالى أراد أن تصيبكم نتيجة أعمالكم المشؤومة ، ولكن أكثرهم لا يعلمون « أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَايَعْلَمُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 159
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٩